الصفحة 508 من 3592

المحلول انبسط فيه لعدم الصورة لانه قد صار في الجسد بمنزلة النفس التي لا صورة لها وذلك أنه لا وزن له فيه وستري ذلك إن شاء الله تعالى وقد ينبغي لك أن تعلم أن اختلاط اللطيف باللطيف أهون من اختلاط الغليظ بالغليظ وإنما أريد بذلك التشاكل في الارواح والاجساد لان الاشياء تتصل باشكالها وذكرت لك ذلك لتعلم أن العمل أوفق وأيسر من الطبائع اللطائف الروحانية منها من الغليظة الجسمانية وقد يتصور في العقل أن الاحجار أقوى وأصبر على النار من الارواح كما ترى الذهب والحديد والنحاس أصبر على النار من الكبريت والزئبق وغيرهما من الارواح

فاقول إن الاجساد قد كانت أرواحا في بدنها فلما أصابها حر الكيان قلبها أجسادا لزجة غليظة فلم تقدر النار على أكلها لافراط غلظها وتلزجها فإذا أفرطت النار عليها صيرتها أرواحا كما كانت أول خلقها وإن تلك الارواح اللطيفة إذا أصابتها النار أبقت ولم تقدر على البقاء عليها فينبغي لك أن تعلم ما صير الاجساد في هذه الحالة وصير الارواح في هذا الحال فهو أجل ما تعرفه.

أقول إنما أبقت تلك الارواح لاشتعالها ولطافتهاو إنما اشتعلت لكثرة رطوبتها ولان النار إذا أحست بالرطوبة تعلقت بها لانها هوائية تشاكل النار ولا تزال تغتذي بها إلى أن تفنى وكذلك الاجساد إذا أحست بوصول النار إليها لقلة تلزجها وغلظها وإنما صارت تلك الاجساد لا تشتعل لانها مركبة من أرض وماء صابر على النار فلطيفه متحد بكثيفه لطول الطبخ اللين المازج للاشياء وذلك أن كل متلاش إنما يتلاشى بالنار لمفارقة لطيفه من كثيفه ودخول بعضه في بعض على غير التحليل والموافقة فصار ذلك الانضمام والتداخل مجاورة لا ممازجة فسهل بذلك افتراقهما كالماء والدهن وما أشبههما وإنما وصفت ذلك لتستدل به على تركيب الطبائع وتقابلها فإذا علمت ذلك علما شافيا فقد أخذت حظك منها وينبغي لك أن تعلم أن الاخلاط التي هي طبائع هذه الصناعة موافقة بعضها لبعض مفصلة من جوهر واحد يجمعها نظام واحد بتدبير واحد لايدخل عليه غريب من الجزء منه ولا في الكل كما قال الفيلسوف إنك إذا أحكمت تدبير الطبائع وتآليفها ولم تدخل عليها غريبا فقد أحكمت ما أردت إحكامه وقوامه إذ الطبيعة واحدة لا غريب فيها فمن أدخل عليها غريبا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت