فهرس الكتاب
لكن الأدب غلب على الشيخ ناصيف فبلغ فيه مبلغًا عجيبًا قيل أنه استظهر القرآن وحفظ كل ديوان المتنبي وقصائد عديدة من العشر القديم والمولد لا يخل فيها بحرف. وكان في أوقات الفراغ ينسخ ما يحصل عليه من الآثار الأدبية بخط جميل أشبه بالقلم الفارسي.
ومما امتاز به على أهل زمانه شعره فإنه نبغ فيه على ما روي وعمره لا يتجاوز عشر سنين فكان يقول الشعر عفوًا عن البديهة ويأتي بكل معنى بليغ. وكان في أول أمره ينظم المعنى والزجليات تفكها. وقد تلف معظم هذه المنظومات العامية.
وسطع في ذلك الوقت نجم الأمير بشير الكبير فقصده الأدباء والشعراء ومدحوه ونالوا من سجال فضله منهم المعلم الياس أدّه ونقولا الترك وبطرس كرامة فسار الشيخ ناصيف إلى بيت الدين واتصل بهؤلاء الأدباء فقربوه من الأمير الذي اتخذه كاتبًا لأسراره ورفع شأنه.
وللشيخ في مخدومه قصائد جليلة منها رائيته التي قالها مهنئًا له بانتصاره من أعدائه سنة 1240 (1824م) وأولها:
يهنيك يهنيك هذا النصرُ والظفرُ ... فانْعمْ إذن أنت بل فلننعم البشرُ
وبقي في خدمته اثنتي عشرة سنة. فلما كُفَّت يد الأمير عن تدبير لبنان سنة 1840 فارقه الشيخ ناصيف ونزل مع أهله إلى بيروت فسكنها إلى سنة وفاته.
وفي هذه الثلاثين السنة الأخيرة من عمره انقطع إلى التأليف في بيته وإلى التدريس ومراسلة الأدباء فحظي بشهرةٍ عظيمة. وسمع به المستشرقون فكاتبوه واقترحوا عليه عدة مصنفات أجابهم إلى وضع بعضها فطبعوها في مجلاتهم. وكان علماء الشرق يتسابقون إلى مكاتبته ويتناوبون بينهم القصائد والرسائل. ومن فضل الشيخ ناصيف أنه سعى مع بعض أدباء الشام بعقد الجمعية السورية لترقية الآداب ورفع منار العلوم. وكان له في كل المساعي الأدبية يد مشكورة حتى أصبح في بلاد الشام كقطب العلوم العربية وشرعة المعارف الوطنية.
واشتغل أيضًا مع أصحاب الرسالة الأميركية فنظم لهم المزامير وبعض الأغاني الدينية واستفادوا منه أيضًا في تعريب الأسفار المقدسة التي نشروها في مطبعتهم. وكان أحد أعضاء جمعيتهم التي أنشئوها سنة 1848 (الشرق 40:12 ثم 96) .
أما تآليف الشيخ ناصيف فكلها مشهورة سردنا أسماءها في تاريخ الطباعة في أعداد سنتنا الثالثة وأشهرها مقاماته الستون المعروفة بمجمع البحرين التي عارض فيها المقامات الحريرية طبعت مرارًا في المطبعة الأميركية ثم في مطبعتنا الكاثوليكية. وله كتاب فصل الخطاب في الصرف والنحو. وجوف الفرا والخزانة وهما أرجوزتان في أصول النحو نظمهما وعني بشرحهما. وعقد الجمان في البيان مع ملحق في العروض. وله شرح على المتنبي أتمه
ابنه الشيخ إبراهيم ووسمه باسم العرف الطيب في شرح ديوان أبي الطيب. وشعره متفرق في ثلاثة دواوين: كتاب نفحة الريحان وكتاب فاكهة الندماء في مراسلات الأدباء وكتاب ثالث القمرين. وقد قصد الأديب ميخائيل أفندي إبراهيم رحمة جمع شعره في ديوان طبع منه نبذتان في المطبعة الشرقية في الحدث وفي المطبعة الأدبية مصححًا بقلم نجله المذكور. وعساه أن يضيف إليهما ما لم يزل مخطوطًا أو شاردًا من القصائد.
وشعر الشيخ ناصيف يجمع بين الرقة والمتانة يضارع نظم أجود الشعراء في كل أبواب المعاني ود مر لنا عدة أقوال من قلمه تشهد على براعته ورسوخ قدمه في آداب الشهر.