فهرس الكتاب
طبيبٌ كان يشفي كلّ داءٍ ... إذا استولت تباريحُ السقام
دعاه اليوم ما لا منهُ شافٍ ... ولا منهُ سليمُ في الأنامِ
وأعقب فيهِ آل الجلخ سكرًا ... بكأس الحزن لا كأس المدامِ
وختمها بقوله:
تركتَ العالم الغرّار طوعًا ... وبتَ مجاورًا دار السلامِ
لئن تكُ قد رحلتَ اليوم عنا ... فذكرك لا يزال إلى الدوامِ
ونختم هذا الفصل بذكر آخر فرع من الدوحة اليازجية من أولاد الشيخ ناصيف وهي السيدة وردة وأبنته التي عمرت زمنًا طويلًا ولم ينطفي سراج إلا منذ زمن قليل فنؤجل عنها الكلام ونذكر أن شاء الله في تاريخ الآداب العربية في الربع الأول من القرن العشرين.
ولا يزال في قيد الحياة محييًا لأسم الأسرة اليازجَّية الخوري الفاضل الشيخ حبيب اليازجي وله كسائر قرابته أنار أدبية طيبة أمد الله في عمره.
آل المراش
كما برز اليازجيون الملكيون في لبنان وبيروت بأنصبابهم على العربية في القسم الثاني من القرن التاسع عشر كذلك كان آل مراش الملكيون يتقدمون في الحلب أهل نحلتهم في رفع منار تلك اللغة. وبنوا المراش عرفوا في حلب منذ القرن الثامن عشر ومنهم كان بطرس المراش الذي قتل في سبيل دينه سنة 1818 في حلب بإغراء جراسيموس أسقف الروم الأرثوذكس مع عشرة آخرين من الكاثوليك (أطلب قصيدة المعلم نقولا الترك في رثاثه المشرق 10(1907) : 664) وعرف بعد قليل فتح الله المراش وكأنه له الماء بالعلوم اللغوية والأدبيات
أبقي منها آثارًا مخطوطة ثم أراد أن يخوض ميدانًا لم يكن من فرسانه فعثر جواده وكبا زنده. وذلك انه ألف سنة 1849 كتابًا في أنبشاق الروح القدس فزعم انه من الأب وحده على خلاف معتقد على الآباء والكنيسة الرومانية فدحض أقواله الطيب الذكر السيد البطريرك بولس مسعد باثبت الحجج في كتاب طبع في رومية سنة 1856 فلما أطلع عليه فتح الله المراش أرعوى عن غيه وأذعن المحق الواضح.
وخلفه أبنه فرنسيس فنال شهرة طيبة بذكائه وما عرفه وخلفته الأدبية. ولد في 29 حزيران سنة 1836 ثم تلقن العلوم اللسانية وآداب الشعر وأنكب على دراسة الطب أربع سنوات تحت نظارة طبيب إنكليزي كان في الشهباء وأراد أن يتم دروسه في عاصمة الفرنسيس فسافر إليها في خريف سنة 1866 وقد وصف سفره إليها في كتاب رحلة باريس الذي طبعه في بيروت سنة 1867. ولم يسعده الدهر في غربته فكر راجعًا إلى وطنه وتفرغ للتصنيف لا يكترث لما أصابه من ضعف البصر وانحطاط القوى حتى أفل نجم حياته فمات في مقتبل الكهولة سنة 1873. وكان فرنسيس صادق الإيمان كثير التدين وقد ألف كتابًا بناه على مبادئ العلوم الطبيعية والعقلية بيانًا لوجود الخالق وإثباتًا لحقيقة الوحي سماه (شهادة الطبيعة في وجود الله والشريعة) أعرب فيه عن دقة نظر ومعرفة بأحوال الطبيعة والعلوم العصرية. ومن مصنفاته التي تجمع بين الفلسفة والآداب فأودعها الآراء السياسية والاجتماعية على صورة مبتكرة كتاب (غابة الحق) الذي في حلب سنة 1865 ثم كرر طبعه في بيروت ومصر ومثله كتاب (مشهد الأحوال) المطبوع في بيروت سنة 1883 على أسلوب لطيف ونسق حديث. وفي بيروت