فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 333

الثامن عشر ونشأ فيها ثم تخرج في الآداب الكنسية والعلوم الدينية والمعارف الدنيويَّة في رومية العظمى حتى أصاب منها قسمًا صالحًا. وقد عُهدت إليه لمقدرته عدَّة مهمات قام بها قيامًا حسنًا وتولى القضاء مدَّة في لبنان ولهُ تآليف متعددة تشهد لهُ بقوة الفهم واتساع المعارف وأكثرها دينيَّة منها كتاب إيضاح اعتقاد الآباء القديسين في الحاد المشاقين وهو سفرٌ كبير وإيضاح البراهين اليقينية على حقيقة الأمانة الأرثوذكسية وكتاب المجامع لكباسوطيوس ولهُ تآليف أخرى شطَّ فيها عن تعليم الكنيسة الكاثوليكية لكنَّه رذلها قبل وفاته نادمًا. وتوفى في زوق ميكائيل في 10ت2 سنة 1809.

وفي عهده عرف راهب من ملته الروم الكاثوليك وعاش بعده ردهًا من الدهر أعني به سابا بن نيقولا الكاتب الشهير بالخوري سابا. كان مولده حمص وكان أبوه من الروم الأرثوذكس وأمه كاثوليكية فنشأ على دين والده مدة ثم أهمل نفسه لملاذ الدنيا حتى ارعوى وارتد إلى الله بعد أن رأى عيشة الرهبان الكاثوليك في دير المخلص فتبعهم في دينهم ثم في طريقتهم النسكية وأخذ العلوم العربية عن الشيخين يوسف الحر من علماء الجباع وأحمد البزري. وبعد كهنوته سافر إلى رومية حيث أتقن العلوم الفلسفية واللاهوتية وتعلم اللغات الأوربية ثم رجع إلى الشرق وانكب على الأعمال الخيرية إلا أن الأمراض دهمته فأحوجته إلى لزوم ديره فانقطع إلى التأليف وصنف كتبًا عديدة في أخص المعتقدات المسيحية أكثرها لا يزال مخطوطًا طبع منها شيئًا الأديب شاكر أفندي البتاوني. وله مصنفات أخرى في معظم الأبحاث الفلسفية منها رسائل في النفس وجوهرها وخواصها.

ومنها كتاب في المنطق نشر بالطبع وغير ذلك مما عددناه في مقالاتنا عن مخطوطات الكتبة النصارى ورقي إلى رئاسة رهبانيته العامة نحو تسع سنوات وكانت وفاته في أيلول من السنة 1827.

المستشرقون في هذه الحقبة وقبل أن نختم تاريخ هذا الطور الأول من الآداب العربية في القرن المنصرم يجمل بنا أن نذكر المستشرقين الأوربيين الذين استحقوا ثناء الأدباء بما نشروه من المصنفات العربية.

ومما يقال بالإجمال أن هذه ثلاثة أعشار القرن لم يبلغ أحد فيها بين الأجانب مبلغ العلامة ساوستر دي ساسي لكننا نؤجل الكلام فيه إلى الطور التالي لأنه فيه مات. وكان دي ساسي كنقطة المركز لدائرة زمانه يشيرون إليه بالبنان لتفنن معارفه بل كان منارًا يستضيء بنوره كل من أراد العلوم الشرقية في فرنسة وغيرها فيقدمون باريس ليحضروا دروسه ويدورون في فلكه كالأقمار المستنيرة به.

وقد جاراه في علومه دون يبلغ أن شأوه بعض أهل وطنه الذين قدمنا ذكرهم (ص14) كالعلامة دي غيني لينغلاي ودوبرون وهربان ولكلهم الآثار الناطقة بعلو علمهم وسعة معارفهم. وممن تتلمذوا له وفازوا بالشهرة في آداب العرب المسيو أمابل جوردان ... (1788 - 1818) كتب تاريخًا للعجم وانتقد تأليف مرخند وصنف كتابًا في البرامكة ونقل إلى الفرنسوية نبذًا من تاريخ العرب عن حروب الفرنج في بلاد الشام. لكن هذا المستشرق مات في مقتبل العمر.

ومن تلامذة دي ساسي في هذا الطور أنطون ليونارد دي شازي نبغ اللغات الشرقية وكتب عدة مقالات في آثار العرب والعجم وغيرهم في مجلة العلماء وله تاريخ العجم ومجان أدبية فارسية ومنتخبات من كتاب عجائب المخلوقات للقزويني. توفي سنة 1831 وكان مولده سنة 1773.

ومما يذكر من حسن مساعي الفرنسويين في خدمة الآداب الشرقية في ذلك العهد نشأة الجمعية الآسيوية الباريسية أنشأها دي ساسي ورصفاؤه وتلامذته سنة 1821 ثم باشروا بنشر الآثار القديمة والمقالات المستحسنة في كل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت