الصفحة 29 من 46

ابن الناصر وهو أول خلفاء الفتنة كما ستراه ثم بعده المستعين سليمان (1)

(1) كان زاوي أكثر زملاءه البربر المحاربين ذكاءًا ، فرأى قبل كل شئ ضرورة البحث عن منافس للمهدى. واستقر رأيهم على سليمان بن الحكم بن سليمان حفيد الناصر ، وكان سليمان هذا يبلغ من العمر خمسين عامًا فجعلوا منه إمام مجموعة البربر فاجتمعوا إليه وولوه عليهم ، وعقدوا له الخلافة في شعبان سنة 399 هـ وتسمى بالمستعين بالله.

واستعان البربر بشانجة بن غرسية بن فرذلند قومس قشتاله والذي قرر الوقوف إلى جانب البربر على أساس أن النجاح إذا ما حالف محاولتهم فإن عليهم أن يسلموه بعض الحصون الإسلامية الواقعة على حدود نهر الدويرة لتكون ملكًا خاصًا لهم وانضم إليهم الكونت برجاله ، وشرعوا في الزحف على قرطبة . ولما علم المهدي بالله بزحف البربر على العاصمة تحصن في سهل يقع شرقي قرطبة ، والتقى الجمعان، في حنتيش 400 هـ / 1009م"وانتهت الموقعة بهزيمة جيش المهدي هزيمة نكراء ووضع البربر السيف على أهل قرطبة . وذكر ابن حيان أن من كل طبقة قد أخذت وقعة قنتيش ، حتى من أهل الباطل وحاول المهدي أن يستميل البربر فأظهر لهم هشامًا المؤيد وأجلسه حيث يراه الناس في منظره تشرف على باب القنطره ولكن ذلك لم يغنه شيئًا إذ تمسك البربر بسليمان المستعين."

"ونودي به خليفة في المسجد الجامع وتم منحه لقب المستعين بالله وكان سليمان يعتمد على قوة البربر، فانتقل بجملة جيشه البربري إلى مدينة الزهراء ثم رحل لطليطلة 400 هـ / 1010م , ولكنه لم ينجح في مهمته لتمسك أهل الثغر بطاعة المهدي وواضح الفتى الذي إتفق مع قومس برشلونه ريموند بوريل الثاني وأخيه أرمقند على أن يساعداه حربيًا تظير تخليه لهم عن مدينة سالم قاعدة الثغر الأسط وفي إطار هذه الشروط دخل فرسان كلا الحاكمين في صفوف الفتى واضح والمهدي وتوجه الجميع إلى قرطبة وقد بلغ تعداد القوات أربعين ألف رجل ولم يكن لدى سليمان المستعين من قوات إلا مجموعات من البربر، ذلك أن القرطبيين رفضوا الإنضمام إليهم فما كان منه إلا العمل على مواجهة"

تهديدات المهدي فخرج إليه سليمان فهزمه المهدي بموضوع يعرف

بعقبة البقر أما سليمان فقد نجا بنفسه وفر إلى شاطبة وبدأت الفترة الثانية لولاية المهدي ولكنها كانت أقصر من الأولى . حيث إعتزم المهدى أن يقضي على البربر قبل أن يعودوا لمقارعته . فجمع الأموال من أهل قرطبة وأعطى الفرنج أعطاياتهم ، وحشد كل ما استطاع من قواته ، وخرج لمطاردة البربر، وكان البربر قد وصلوا عندئذ إلى وادى آره على مقربة من مربلة في طريقهم إلى الجزيرة الخضراء ، وكان جيش المهدى يتكون من نحو ثلاثين ألف من المسلمين وتسعة الاف من الفرنج ، وهناك التقى الجمعان ، ودارت الهزيمة على المهدي وحلفائه وقتل من الفرنج نحو ثلاثة ألاف واستولى البربر على كثير من أسلحتهم وخيلهم ومتاعهم . وعلى أثرها إرتد المهدي إلى قرطبة وسار البربر جنوبا إلى ناحية ريه وهناك لحق بهم سليمان المستعين بمن معه وأخذ الفريقان يدبران معًا إستئناف الصراع للإستيلاء على قرطبة وفي أثناء ذلك كان واضح قد ضاق ذرعًا بتصرفات المهدى وحماقاته ، وسوء خلقه من عكوف علىالشراب والمجون ، وكان الفتيان العامريون وفي مقدمتهم واضح جميعًا ينقمون على المهدى ما فعله بهشام المؤيد وبنى عامر وكان قد وصل إلى قرطبة جملة منهم من شاطبة وفيهم بعض الفتيان البارزين مثل خيران وعنبر فائتمروا على الغدر بالمهدي ، وأخرجوا هشامًا من محبسه بالقصر، وأجلسوه للخلافة ونادوا بولايته وأتوا بالمهدى بين يديه فضرب عنقه واحتز رأسه وهكذا استرد هشام المؤيد الخلافة بعد سلسلة من الخطوب والأحداث المثيرة وكان يومئذ كهلًا في نحو السابعة والأربعين من عمره . وبعث واضح برأس المهدى إلى سليمان المستعين إرضا له ولحلفاءه البربر وكتب إليهم يدعوهم إلى الدخول في طاعة الخليفة هشام المؤيد بإعتباره الخليفة الشرعي . ولكن ذلك لم يجده نفعًا ، إذ تألم سليمان وأصحابه البربر للمصير التعس الذى لقيه ابن عبدالجبار من أتباعه الخونة ، وسخطوا على واضح لغدره وخيانته وفي صيف 1011م ( 401هـ) تفاقم بؤس الأندلس لا سيما قرطبة ، ونسب الجند إلى واضح ما حاق بهم من النكبات ، ….. وأدرك واضح اضراب مكانته ، وصمم على الفرار ، غير أن خبر عزمه على الهروب ترامى إلى ابن أبي وداعة فحال بينه وبين تنفيذه: إذ جمع جنده واقتحم بهم قصر الحاجب قائلا له:"لقد أسرفت في الأموال ، ثم تعتزم بعد ذلك على مصالحة البربر ؟"ثم ضربه بسيفه ، ثم طرحت جثته ونصح أعيان الدولة هشام الثاني أن يسلم المدينة في إطار شروط معينة تعتبر الحد الأدنى من المقبول به ، ولكن إزدادت عدوانية البربر، وجاء بعض قادتهم نحو أسوار قرطبة يتحدون أبطال المعسكر الآخر أن يخرجوا لقتلاهم رجلًا لرجل وفي يوم 9 مايو 1013 (26 شوال 403هـ) , ذهب القاضي ابن ذكوان يرافقه بعض الفقهاء بالتوجه رسميا إلى معسكر البربر وطلبوا لأهالي قرطبة فأعطوه من جديد"ولم يعد للقرطبيين أى شك في المصير الذي سوف ينتظرهم على يد البربر، واقتحم البربر المدينة من الباب المقابل لربض شقندة ، لأن قائدا خائنًا باع لهم نفسه وأسلمهم الباب، ودفعت قرطبة ثمن مقاومتها أنهارا من الدماء ، وذهب كثيرون منا لطيبين والشيوخ: قتل سعيد بن منذر خطيب المسجد الجامع منذ أيام الحكم المستنصر ، وقتل ابن الفرضي صاحب تاريخ"

علماء الأندلس وقد رسم لنا ابن حزم في كتابه"طوق الحمامة"الصورة في قرطبة عن طريق إخبار الواردين على قرطبة يصفون منزله ومنازل القرطبيين عامة وقد"امحت رسومها ، وطمست أعلامها ، وخفيت معاهدها ، وغيرها البلي ، وصارت صحاري مجدبة بعد العمران ، وفيافي موحشة بعد الأنس ، وخرائب منقطعة بعد الحسن ، وشعابًا مفزعة بعد الأمن ، وقال ابن حزم في ذلك شعرًا منه:"

لئن كان أظمانًا فقد طالما سقى

…………وإن أساءنا فيها فقد طالما سرا

وتحولت القصور الى أنقاض ونالتها يد الدمار وفي اليوم التالي لإحتلال المدينة ذهب سليمان لإمتلاك القصر الخليفي وجئ له بجميع القرطبيين الذين نجوا من سيوف البربر ، وأوقفوهم على جانبي الطريق لتحيته ، ولكن كان يدرك حقيقة هذه الحماسة المصطنعة فقال متمثلًا بقول شاعر قديم:

يقولون لي أهلًا وسهلًا ومرحبًا

…………ولو ظفروا بي ساعة قتلوني

ولما بلغ القصر جاء بهشام الثاني ووبخه فاعتذر سليمان ، وتبرأ من

الخلافة قائلًا:

"إني امرئ مغلوب على أمري ، متبرئ من الخلافة ، ومسلم الأمر إليك"

وخالع لك نفسي والجدير بالذكر أن الفتى واضح في خضم تلك الأحداث قام ببيع ذخائر الكتب التي خلفها الحكم المستنصر , وذلك أثناء حصار المستعين والبربر لقرطبة

"واضطرت الفتنة الى بيع ما كان بقصر قرطبة من ذخائر ملوك الجماعة من الكتب وسائر المتاع , فبيع ذلك بأوكس ثمن وأتفه قيمة وكان تمزق الأندلس على هذا النحو , كان ضربة لم تنهض الأندلس من آثارها , بل كان بداية عهد الانحلال الطويل ، وذكرت جمهرة من المؤرخين أن سليمان المستعين اغتال هشام الثاني خنقًا وأشاع أنه فر لوجهه ، وعمل سقاء بالمرية وانتقل سليمان مع جملة جيشه البربري إلى مدينة الزهراء ، بينما أقام بنو حمود العلويون في شقندة ثم أنه قسم بعض كور الأندلس بين رؤساء القبائل البربرية إرضاء لهم ، فأعطى البيرة لحبوس بن ماكسن الصنهاجي وذريته ، وأعطي سرقسطة لمنذر بن يحيء التجيبي ، وأعطي جيان لبني برزال وبني يفرن ، ثم أنه منح عليا بن حمود ولاية سبته ، والقاسم بن حمود ولاية طنجة وأصيلا والجزيرة الخضراء ، وبذلك غلب العنصر البربري على دولة سليمان المستعين ، مما حمل الفتيان العامريين علىالهرب إلى شرق الأندلس ، خوفا على أنفسهم من البربر، وأخذوا يكيدون سليمان المستعين ، ويذكر ابن الخطيب أن بعض العامريين الموالي والصنائع الهاشميين أرسلوا إلىعلى بن حمود على سبتة وثيقة منسوبة إلى هشام المؤيد وبخطه وعهد فيها بالأمر بعده إلى علي بن حمود"ثم تعهدوا له بتذليل الصعاب ، وهونوا له أمر الاستيلاء على الخلافة، وأشار عليه حبوس الصنهاجي صاحب البيرة ، وخيران صاحب المرية بالتوجه إلى مالقه والاستيلاء عليها ولم يتوان علىّ على المجاز إلى الأندلس بحجة الإفراج عن هشام المؤيد في الظاهر مع أنه كان يعلم تمامًا أن هشام قد مات مقتولًا أما غرضه الأساسي الذي كان يضمره في الباطن فهو تقويض خلافة سليمان المستعين والظفر بها لنفسه ، ثم اتجه إلىالمرية حيث اجتمع مع خيران العامري وغيره من ا لفتيان العامريين ومن هنا زحفت جيوشها نحو قرطبة ، بينما تأهب أخوه القاسم لتقديم المساعدات إليه عند الضرورة وبلغ سليمان بنبأ تحالف على بن حمود وخيران العامري عليه، وعلم بمسير جيوشهما إليه ، فعظم عليه الأمر وخرج بمن تبقى من رجاله للقاء جيوش ابن حمود وخيران مجتمعة، واشتبك الفريقان في محرم سنة هـ407، ولكن هزموه ، وقبضوا عليه وعلى أخيه ودخل على بن حمود قصر قرطبة في 22 محرم سنة 407هـ ( يوليو سنة 1016م) . وتظاهر على بعدم معرفته بموت هشام المؤيد حتى يبرر عدوانه على سليمان. وذكر ابن عذاري أنه طمع في أن يجد هشامًا المؤيد بالله حيًا ، فلم يوجد، وذكر له أنه قتل ، وعرض عليه قبره ، فأخرجه وتعرف على جثته ، ثم أعاد دفنه . وأمر بإحضار سليمان المستعين ، فضرب عنقه بيده، ثم ضرب عنق أخيه عبدالرحمن، ثم عنق أبيهما الشيخ وجعل رؤساء ثلاثتهم في طست ، وأخرجت من القصر إلى المحلة ينادي عليها . هذا جزاء من قتل هشاما المؤيد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت