فهرس الكتاب
بن محمد بن عبدالملك بن الناصر وهذا آخر خلفاء الجماعة في الأندلس ،واجتثوا من فوق الأرض ما لهم من قرار ولما خلع أسقط أهل المغرب وملوكها الأندلس ، مثل بنو جهور (1)
(1) وينتمي ابن جهور إلى بيت من أعرق بيوتات الموالي الأندلسية وهو أبو الحزم بن محمد بن عبيد الله بن أحمد بن محمد من أهل بيت ووزراء وسوف يحكم الدولة جماعة من الوزراء على نظام شبه جمهوري ولم يستبد بالسلطة .. وإنما كون مجلسًا للحكم من شيوخ أهل قرطبة وانتخب أمينًا لهذا المجلس ، وكان لا يصرف أمرًا إلا بعد الرجوع إلى جماعة الشيوخ هؤلاء ويقول عنه المراكشي في المعجب أنه دبر الأمور تدبيرًا لم يسبق إليه وذلك أنه جعل نفسه ممسكًا للموضوع إلى أن يجئ من يتفق الناس على إمارته فيسلم إليه ذلك ، ورتب البوابين والحشم في القصور على ما كانت عليه أيام الدولة ولم يتحول عن داره إليها ، وجعل ما يرتفع من الأموال السلطانية بأيدى رجال رتبهم لذلك وهو المشرف عليهم ، وصير أهل الأسواق جندًا له ، وجعل أرزاقهم رؤوس أموال تكون بأيديهم محصاة عليهم يأخذون ربحها ورؤوس الأموال باقية ، وفرق السلام عليهم حتى إذا دهمهم أمر في ليل أو نهار كان سلاح كل واحد معه ودبر الأمور تدبير السلاطين المتغلبين وكان مأمونًا إلى أن مات في صفر سنة خمس وثلاثين وأربعمائة .
ولما توفي خلفه ابنه أبو الوليد بن جهور فسار على سيرة أبيه استمرت الأحوال على إنتظامها حينًا ، ولكنا أبا الوليد ما لبث أن تنكب عن سياسة أبيه ، فقدم على الناس ولده عبدالملك ، وأخذ عليهم العهد له ، فأساء عبدالملك السيرة ، واستبد بالسلطة فقام المأمون بن ذي النون صاحب طليطلة بالتحرش به ومعه حليفة هذيل صاحب شنتمرية الشرق وحاول مسالمتهما فلم يفلح وقاموا بحصار قرطبة ؛ فأرسل يستنجد بابن عباد ( المعتمد بن عباد ) صاحب أشبيلية ونجحوا في هزيمة الطليطليين . وهنا رأى الإشبيليين الفرصة سانحة لتنفيذ خطة سيدهم ابن عباد.
"فبينما كان جيش قرطبة لا يزال مشغولا بمطاردة العدو بإمرة عبدالملك ابن جهور ، سار ابن عمار إلى المدينة ولم يظن إنسان بالحلفاء سوءا ، ودخلها دون معارضة واحتل مراكزها الحصينة ، قبل أن يفطن القرطبيون إلى أن أصدقاءهم قد انقبلوا عليهم وأطلق ابن حيان على هذه الحادثة إسم"البطشة الكبرى".وكانت عنوانًا لإحدى كتبه المفقودة ."
وكان الأمير محمد بن جهور مريضًا طريح الفراش ، فوقع أسيرًا في يد أعدائه ، ولم يعش بعد هذه الخيانة المروعة سوى أيام قلائل . ولم يكن مصير إبنه عبدالملك بأفضل من مصيره ، فقد عاد من مطاردة الطليطليين إلى قرطبة ، فألغى أبوابها المغلقة دونه.
ولما طلب إليه التسليم أدرك في الحال ، ما ارتكبه الحلفاء الغادرون من خيانة أثيمة.
واستشاط سخطًا ووجدا ، فألقى بنفسه أمام قوة كبيرة تحدق به من كل صوب.
ولبث يقاتل قتال المنتقم اليائس حتى أثخن جرحًا ، وسقط من فوق جواده مغشيًا عليه ، ثم توفي في الأسر بعد ذلك بأيام وهو يصب اللعنات على ابن عباد وعلى أهل قرطبة اللذين استقبلوا الخونة طائعين سنة 452 هـ/106م.
والطريقة التي اتبعها المعتمد في أخذ قرطبة ترينا طابع السياسة المكيافيللية التي كانت غالبة على هذا العصر بوجه خاص ، وتكشف لنا عن سوء علاقة ملوك الطوائف بعضهم ببعض ، وكيف كان كل منهم يبغي هلاك الآخر ليستلب ملكه". وندب المعتمد بن عباد ولده الفتى عبادًا الملقب بالظاهر وسراج الدولة لحكم قرطبة ، التي يتصل تاريخها من ذلك الحين بتاريخ مملكة إشبيلية ."
ولم يكن ابن ذي النون يعتقد أن مسألة قرطبة قد انتهت وإنها قد خلصت لابن عباد ، فشن غارة على أحوازها مع جنود حليفة الفونسو السادس ، ولكن الأمير الشاب الناشئ إستطاع أن يصد هجومهم ويدفع غائلتهم.
وعقد ابن ذي النون على الاستيلاء على قرطبة وذلك بمساعدة ابن عكاشة.
وكان ابن عكاشة رجلًا سفاكًا للدماء ، كما كان من قبل قاطع طريق يعتصم بالجبال، ولم تكن تنقصه الكفاءة كما أن معرفته بقرطبة كانت معرفة الخبير حيث قدر له أن يلعب دورًا فيها من قبل حين كان في يده أحد حصونها ، فأخذ يدبر المكائد ويحيك المؤامرات بقرطبة ، ولم يكن ذلك بالأمر العسير عليه نظرا لتذمر الكثيرين من أهلها من سير الأحداث بها. واستطاع ابن عكاشة أن يستولي على قرطبة .
وبعد أيام قلائل جاء المأمون بنفسه لقرطبة وأظهر شكره العميق لابن عكاشة وثقته به ، ولكنه كان في صميم نفسه يخشى هذا اللص المغامر المتمرس بالجرائم ، وكان يرى أن من تطاول على قتل الأمراء وأبناء الملوك لا يؤمن شره ، ولذلك شرع يتحين الفرص للخلاص منه.
وفي شهر يونيو من سنة (468هـ - 1075م) مات المأمون مسمومًا بعد مجيئه إلى قرطبة بستة أشهر ، فاتهم أحد رجال حاشيته بأنه المدبر لقتله"."
أما عن سائر مدن الأندلس فقد أصبحت غنيمة في أيدي المحاربين المرتزقة من البربر ,وانتشرت النزاعات والصراعات الداخلية بين ملوك الطوائف , وسعى كل واحد منهم الى الانفراد بالسلطة , واضطر هؤلاء الملوك الى دفع مبالغ طائلة كجزية لجيوش النصارى ليقفوا الى جوارهم أو ليكفوا أيديهم عنهم .
وليس أبلغ تعبيرًا في وصف حال الأندلس في تلك الفترة من قول الشاعر ابن رشيق القيرواني
مما يزهدني في أرض أندلس أسماء معتضد فيها ومعتمد
ألقاب مملكة في غير موضعها ... ... كالهر يحكي انتفاخًا صورة الأسد