فهرس الكتاب
يقول المقري: والجامع الذي ليس في معمور الأرض مثله، فيه من النقوش والرقوم مالايقدر أحد على وصفه، وبقبلته صناعات تدهش العقول، وعلى فرجة المحراب سبع قسيّ قائمة على عمد، طول كل قوس فوق القامة، قد تحير الروم والمسلمون من حسن وضعها، وفي عضادتي المحراب أربعة أعمدة اثنان لازورديان وليس لهما قيمة لنفاستها.
ويتابع المقري واصفًا منبر جامع قرطبة فيقول: وبه منبر ليس على معمور الأرض أنفس منه ولا مثله في حسن صنعته، وخشبه ساج وأبنوس وبقم وعمود باقلّي، وقد استغرق صنعه سبع سنين.
وفوق المنبر شيد المستنصر قبة ضخمة جعلت فوق المنبر، وزخرفت بالفسيفساء الجميلة التي قام بها عمار مهرة متخصصون، أرسلهم قيصر القسطنطينية رومانوس الثاني كنوع من التودد والتقرب للمستنصر وشعبه، وهي واحدة من ثلاث قباب رائعة في بيت الصلاة.
قال لسان الدين الخطيب: إن المستنصر زين الجامع بالفسيفساء المجتلبة من قبل ملك القسطنطينية مع الصناع المحكمين لذلك، محاذيًا بفعله مافعله الوليد بن عبد الملك بمسجد دمشق، ففاق خدمُه ومماليكه في تعلم ذلك (صنعة وتركيب الفسيفساء) وبرعوا فيه إلى أن كمل ما أراده.
قنوات ماء... ومقاصير للخدمات العامة:
كما أضاف المستنصر إلى جامع قرطبة القنوات التي مدّ فيها الماء إلى السقايات والميضآت التي بناها ، وقد أوصل الماء إلى المسجد عبر قناة مدها من سفح جبل العروس قرب قرطبة، ليجري فيها الماء محفوظًا من كل دنس كما يفعل اليوم في مجاري مغلقة، ويقول فيها الشاعر محمد بن شخيص:
وقد خرقت بطون الأرض عن نطف من أعذب الماء نحو البيت تجريها
وأضاف المستنصر كذلك عددًا من المقاصير، منها: مقصورة دار الصدقة غربي الجامع، وهي أشبه ماتكون بمركز لتوزيع الصدقات، ومقصورة أخرى قبالة الباب الغربي كان الفقراء يتخذونها مسكنًا لهم، ومقصورة ثالثة جعلها مكتبًا لخطباء وواعظي الجامع وعماله.