فهرس الكتاب
ولايفوتنا أبدًا أن ننوه بوضوح إلى الدور العلمي والفكري الذي قام به جامع قرطبة في الأندلس في مختلف عصوره، حتى تحول إلى جامعة حقيقية يتحدث عن نشاطها علماء المسلمين وغيرهم، ومن هؤلاء المستشرق الهولندي دوزي الذي أطلق على الجامع اسم جامعة قرطبة، وأشاد برعاية المستنصر للعلماء من مختلف الملل والنحل مسلمين وغير مسلمين وبيّن هذا المستشرق أن اغداقه على العلماء الأسبان ـ يعني المسلمين الأندلسيين ـ والأجانب ـ يعني النصارى ـ لم يعرف حدا، بل كان يشجع الجميع بمن فيهم الفلاسفة الذين طرحوا آراءهم بكل حرية وجرأة.
وقال أيضا: أما جامعة قرطبة فقد كانت يومئذ أشهر جامعات العالم، وكان مركزها المسجد الجامع، وتدرس في حلقاتها مختلف العلوم، وكان يدرس الحديث أبو بكر بن معاوية القرشي، ويملي أبو علي القالي دروسه عن العرب قبل الإسلام وعن لغتهم وأمثالهم، وكان ابن القوطية يدرس النحو، وكان الطلبة يفدون بالآلاف.
وكان عدد العاملين في جامع قرطبة والمتصرفين فيه (أي عدد الإداريين والعلميين) من أئمة وخطباء ومقرئين ومؤذين وسدنة وموقدين وخدم مائة وتسعة وخمسين شخصا.
الأسبان... يعاقبون جامع قرطبة:
ولايفوتنا ونحن نختم الحديث عن أروع قطعة فنية معمارية تركها المسلمون شاهدة على مدى حضارتهم وتقدمهم، أن نذكر بكل أسى وحسرة أن الأسبان عندما دخلوا قرطبة غالبين عليها، ألقوا القبض على جامع قرطبة بتهمة التوحيد والعبادة، فحولوا بعض أجزائه بصورة شاذة، إلى كاتدرائية، كما عاقبوا منارته الرائعة البديعة على تهمة الأذان والتكبير فحولوها إلى برج للنواقيس، كما بالغوا في تتبع نشاطه العلمي الفكري فألغوا كل حلقة علمية، وطاردوا كل مدرس مختص، وأغلقوا كل كتاب مفتوح فيه.. وتلك لعمري شواهد إثبات على الهمجية والحقد.