فهرس الكتاب
ولكي يستمر جامع الزيتونة في أداء المهام الكثيرة التي يقوم بها من إقامة الصلوات ورفع تكبيرات المؤذنين وإحياء الأوقات الفاضلة بالقرآن والحديث والدعاء والعلم كثرت أوقاف أهل الخير من المسلمين من أمراء وأغنياء وغيرهم عليه.
يقول الحشائشي في كتابه (تاريخ جامع الزيتونة) ولأهل هذه الحاضرة ـ تونس ـ عمرها الله تعالى ـ تعلق شديد بهذا البيت ـ مسجد الزيتونة ـ وتشبث عظيم بلوحاته. حتى أنك تراه مرجعًا لغالب أوقافهم ولهم في ذلك المنازع الغريبة، فمنهم من يوقف على الإمام، ومنهم على القارىء، أو المؤذن، ومنهم من يوقف على الحمام الوحشي ـ أي البري ـ الذي يأوي إليه.
وعلى سبيل المثال فحاكم تونس المتوفى عام 893هـ (عثمان المنصور الحفصي) بنى ميضأة في المسجد ـ وهي التي عرفت فيما بعد باسم ميضة السلطان ـ وأوقف عليها أوقافًا كثيرة، وكان يسخن بها الماء زمن الشتاء.
وعلى سبيل المثال أيضًا فإن قرابة ثلاثمائة قارىء كانوا يتسلمون معاشات من ريع أوقاف أهل الخير في مقابل مداومتهم على قراءة أحزاب مقررة من القرآن الكريم لكل منهم، فكانوا يتناوبون القراءة في المسجد في حلقات قد تبلغ خمسين حلقة، وربما كان لهم بين الظهرين دوي كدوي النحل.
نشاط علمي رائد... وعادات أصيلة راسخة:
ونقل لنا الحشائشي في تاريخه صورًا من النشاط الديني والعلمي داخل مسجد الزيتونة قديمًا فيقول: ومن ذلك قراءة"الترهيب والترغيب"بعد العصر، ورواية الصحيحين بين الظهرين ـ الظهر والعصر، وهي منقبة ابتدأها أبو فارس عبدالعزيز من العائلة الحفصية.
وصفتها الجارية الآن ـ أي في أيامه أوائل القرن الحالي ـ يجلس الأئمة الثلاثة بباب الشفاء، فيبتدىء الإمام الأكبر برواية صحيح البخاري برهة من الزمان، ثم يتلوه الإمام الثاني برواية صحيح مسلم، ثم يعقبه الإمام الثالث برواية شفاء القاضي عياض، وهذا المجلس تحضره أمم لا تحصى على اختلاف طبقاتهم...