فهرس الكتاب
فحركة الفتوحات في عهد الفاروق التي قام بها الصحابة تشهد على احترام الإسلام للأديان الأخرى، وحرص القيادة العليا على عدم إكراه أحد في الدخول في الإسلام، حتى إن الفاروق نفسه جاءته ذات يوم امرأة نصرانية عجوز كانت لها حاجة عنده فقال لها: أسلمي تسلمي؛ إن الله بعث محمدًا بالحق، فقالت: أنا عجوز كبيرة، والموت إليَّ أقرب، فقضى حاجتها، ولكنه خشي أن يكون في مسلكه هذا ما ينطوي على استغلال حاجتها لمحاولة إكراهها على الإسلام، فاستغفر الله مما فعل وقال: اللهم إني أرشدت ولم أكره (1) ، وكان لعمر رضي الله عنه عبد نصراني اسمه (أشق) حدّث فقال: كنت عبدًا نصرانيًا لعمر، فقال أسلم حتى نستعين بك على بعض أمور المسلمين، لأنه لا ينبغي لنا أن نستعين على أمورهم بمن ليس منهم، فأبيت فقال: (لا إكراه في الدين) . فلما حضرته الوفاة أعتقني وقال: اذهب حيث شئت (2) ، وقد كان أهل الكتاب يمارسون شعائر دينهم وطقوس عبادتهم في معابدهم وبيوتهم، ولم يمنعهم أحد من ذلك لأن الشريعة الإسلامية حفظت لهم حق الحرية في الاعتقاد، وقد أورد الطبري في العهد الذي كتبه عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأهل إيليا (القدس) ونص فيه على إعطاء الأمان لأهل إيلياء على أنفسهم وأموالهم وصلبانهم وكنائسهم (3) ،وكتب والي عمر بمصر عمرو بن العاص لأهل مصر عهدًا جاء فيه؛ بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبهم وبرهم وبحرهم وأكد ذلك العهد بقوله: على ماضي هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخليفة أمير المؤمنين وذمم المؤمنين (4) ، وقد اتفق الفقهاء (5) ، على أن لأهل الذمة
(1) معاملة غير المسلمين في المجتمع الإسلامي إدوارغالي ص41.
(2) نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي (1/58) .
(3) تاريخ الطبري (4/ 158) .
(4) البداية والنهاية (7/ 98) .
(5) السلطة التنفيذية د. محمد الدهلوي (2/ 725) .