فهرس الكتاب
يا أمير المؤمنين، لا ينبغي لك هذا، فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين، دخلت نفسي نخوة، فأردت أن أكسرها (1) ، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت عمر بن الخطاب يومًا، وخرجت معه حتى دخل حائطًا، فسمعته يقول: وبيني وبينه جدار، وهو في جوف الحائط: عمر بن الخطاب أمير المؤمنين بخ، والله بنيّ الخطاب، لتتقين الله، أو ليعذبنك (2) ، وعن جبير بن نفير: أن نفرًا قالوا لعمر بن الخطاب: ما رأينا رجلًا أقضى بالقسط، ولا أقول للحق ولا أشدَّ على المنافقين منك يا أمير المؤمنين، فأنت خير الناس بعد رسول الله، فقال عوف بن مالك (3) : كذبتم - والله - لقد رأينا بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: من هو؟ فقال: أبو بكر فقال عمر: صدق عوف، وكذبتم، والله لقد كان أبو بكر أطيب من ريح المسك، وأنا أضل من بعير أهلي - يعني قبل أن يسلم - لأن أبا بكر أسلم قبله بست سنين (4) .
وهذا يدل على تواضع عمر وتقديره للفضلاء ولا يقتصر على الأحياء منهم، ولكنه يعم منهم الموتى كذلك، فلا يرضى أن ينكر فضلهم أو يغفل ذكراهم، ويظل يذكرهم بالخير في كل موقف، ويحمل الناس على احترام هذا المعنى النبيل وعدم نسيان ما قدموه من جلائل الأعمال، فيبقى العمل النافع متواصل الحلقات يحمله رجال من رجال إلى رجال، فلا ينسى العمل الطيب بغياب صاحبه أو وفاته وفي هذا وفاء وفيه إيمان (5) .
(1) مدارج السالكين (2/330) .
(2) مالك في الموطأ (2/992) إسناده صحيح.
(3) الأشجعي، صحابي مشهور، من مسلمة الفتح.
(4) مناقب عمر لابن الجوزي ص14، محض الصواب (2/ 586) .
(5) شهيد المحراب ص144.