فهرس الكتاب
من قال: إن الفاروق خالف الرسول - صلى الله عليه وسلم - بفعله في عدم تقسيم أرض الخراج، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم خيبر، وقال: إن الإمام إذا حبس الأرض المفتوحة عنوة نقض حكمه لأجل مخالفة السنة، فهذا القول خطأ وجرأة على الخلفاء الراشدين - إذا فعلوا هذا الفعل - فإن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في خيبر إنما يدل على جواز ما فعله ولا يدل على وجوبه فلو لم يكن معنا دليل على عدم وجوب ذلك، لكان فعل الخلفاء الراشدين عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم دليلًا على عدم الوجوب، فكيف وقد ثبت أنه فتح مكة عنوة كما استفاضت به الأحاديث الصحيحة، بل تواتر ذلك عند أهل المغازي والسير؟ فإنه قدم حين نقضوا العهد ونزل بمر الظهران، ولم يأت أحد منهم يصالحه ولا أرسل إليهم أحدًا يصالحهم، بل خرج أبو سفيان يتجسس الأخبار فأخذه العباس وقدم به كالأسير وغايته، أن يكون العباس أمنه فصار مستأمنًا، ثم أسلم فصار من المسلمين، فكيف يتصور أن يعقد صلح الكفار - بعد إسلامه بغير إذن منهم؟ مما يبين ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علق الأمان بأسباب، كقوله: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن (1) ، فأمن من لم يقاتله، فلو كانوا معاهدين لم يحتاجوا إلى ذلك، وأيضًا، فسماهم النبي - صلى الله عليه وسلم - طلقاء؛ لأنه أطلقهم من الأسر كثمامة بن أثال وغيره، وأيضًا فإنه أذن في قتل جماعة منهم من الرجال والنساء، وأيضًا فقد ثبت عنه في الصحاح أنه قال في خطبته: إن مكة لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة (2) .
(1) مسلم رقم 1780.
(2) النسائي في الكبرى في الحج (2/ 38) الفتاوى (20/ 313) .