فهرس الكتاب
وصل إلى سعد بن أبي وقاص كتاب من أمير المؤمنين وهو نازل في شراف على حدود العراق يأمره فيه بالمسير نحو فارس وقد جاء في هذا الكتاب: أما بعد فسر من شراف نحو فارس، بمن معك من المسلمين، وتوكل على الله واستعن به على أمرك كله، واعلم فيما لديك أنك تقدم على أمة عددهم كثير وعدتهم فاضلة، وبأسهم شديد، وعلى بلد منيع - وإن كان سهلًا - كؤود لبحوره وفيوضه ودأدائه (1) ، إلا أن توافقوا غيضًا من فيض، وإذا لقيتم القوم أو أحدًا منهم فابدؤوهم العتيد والضرب، وإياكم والمناظرة - لجموعهم - يعني الانتظار بعد المواجهة - ولا يخدعنكم فإنهم خدعة مكرة، أمرهم غير أمركم، إلا أن تجادوهم - يعني تأخذوهم بالجد - وإذا انتهيت إلى القادسية (2) ، فتكون مسالحك على أنقابها ويكون الناس بين الحجر والمدر (3) ، على حافات الحجر وحافات المدر، والجراع بينهما (4) ، ثم ألزم مكانك فلا تبرحه فإنهم إن أحسوك انغضتهم رموك بجمعهم، الذي يأتي على خيلهم ورجلهم وحدهم وجدهم، فإن أنتم صبرتم لعدوكم، واحتبستم لقتاله ونويتم الأمانة رجوت أن تنصروا عليهم، ثم لا يجتمع لكم مثلهم أبدًا، إلا أن يجتمعوا وليست معهم قلوبهم، وإن تكن الأخرى كان الحجر في أدباركم، فانصرفتم من أدنى مدرة من أرضهم إلى أدنى حجر من أرضكم، ثم كنتم عليها أجرأ وبها أعلم، وكانوا عنها أجبن، وهذه الوصية في اختيار المكان الذي يستقر فيه الجيش تشبه وصية المثنى لسعد حيث اتفق رأي عمر والمثنى في اختيار المكان، وكانت تلك الوصية من المثنى نتيجة خبرة أكثر من ثلاث سنوات في حرب الفرس، وهذا دليل على براعة عمر رضي الله عنه في التخطيط الحربي مع أنه لم تطأ قدماه أرض العراق رضي الله عنهم أجمعين، وتتضمن هذه الوصية إبقاء الجيش بعيدًا عن
(1) الدأداء: الفضاء وما اتسع من الأودية.
(2) القادسية: باب فارس في الجاهلية.
(3) الحجر والمدر: يعني الصحراء والقرى العامرة.
(4) الجراع بينهما: يعني الأرض السهلة.