فهرس الكتاب

الصفحة 430 من 661

وسار رستم بجيشه من الحيرة حتى نزل القادسية على العتيق - جسر القادسية - أمام عسكر المسلمين، يحول بينهم النهر، ومع الفرس ثلاثة وثلاثون فيلًا، ولما نزل أرسل إلى سعد أن ابعث إلينا رجلًا نكلمه.

فأرسل إليه: ربعيَّ بن عامر فجاءه وقد جلس على سرير من ذهب: وبُسُط النمارق والوسائد منسوجة بالذهب! فأقبل ربعيُّ على فرسه، وسيفه في خِرْقة (1) ورمحه مشدود بعِصَب (2) ، فلما انتهى إلى البساط وطأه بفرسه، ثم نزل وربطها بوسادتين شقهما: وجعل الحبل فيهما، ثم أخذ عباءة بعيره فاشتملها، فأشاروا عليه بوضع سلاحه؛ فقال: لو أتيتك فعلت ذلك بأمركم، وإنما دعوتموني، ثم أقبل يتوكأ على رمحه ويُقارب خطوه حتى أفسد ما مرّ عليه من البُسط، ثم دنا من رستم، وجلس على الأرض، وركز رمحه على البساط، وقال: إنّا لا نقعد على زينتكم. فقال له رستم: ما جاء بكم؟ قال: الله جاء بنا، وهو بَعَثنا لنُخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومنْ ضيق الدُّنيا إلى سغنها، ومن جور الأدْيَان إلى عدل الإسلام، فأرسل لنا رسوله بدينه إلى خَلْقِهِ، فمن قبله قبلنا منه ورجعنا عنه، وتركناه وأرضه، ومن أبى قاتلناه حتى نُفضي إلى الجنة، أو الظَّفر (3) .

فقال رستم قد سمعنا قولكم، فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه؟ فقال: نعم، وإنَّ مما سَنَّ لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألاّ نمكن الأعداء أكثر من ثلاث، فنحن مترددون عنكم ثلاثًا، فانظر في أمرك واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل: الإسلام وندعك وأرضك، أو الجزاء فنقبل ونكف عنك، وإن احتجت إلينا نصرناك، أو المنابذة (4) في اليوم الرابع إلا أن تبدأ بنا، وأنا كفيل عن أصحابي.

(1) الخرقة: القطعة من الثوب الممزق.

(2) العِصاب: ما يُشَدُّ به خرقة أو منديل.

(3) الكامل في التاريخ (2/106) .

(4) المنابذة: نابذ الحرب: جاهر بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت