فهرس الكتاب

الصفحة 450 من 661

فقالت سَلْمى: إني استخرت الله ورضيت بعهدك، فأطلقته وقالت: أمّا الفَرَس فلا أعيره، ورجعت إلى بيتها، فاقتادها، فأخرجها من باب القصر الذي يلي الخندق فركبها، ثم دبّ عليها، حتى إذا كان بحيال الميمنة كبَّر، ثم حمل على ميسرة القوم يلعب برمحه وسلاحه بين الصّفَّين، فقالوا: بسرجها، وقال سعيد والقاسم عُزْيًا، ثم رجع من خلف المسلمين إلى الميسرة فكبَّر وحمل على ميمنة القوم يلعب الصّفَّين برمحه وسلاحه، ثم رجع من خلف المسلمين إلى القلب فندر أمام الناس، فحمل على القوم يلعب بين الصّفين برمحه وسلاحه، وكان يقصف الناس ليلتئذ قصفًا منكرًا وتعجب الناس منه وهم لا يعرفونه ولم يروه من النَّهار، فقال بعضهم: أوائل أصحاب هاشم أو هاشم نفسه وجعل سعد يقول وهو مشرف على الناس مُكِبّ من فوق القصر: والله لولا محبس أبي مِحْجَن لقلت: هذا أبو محجن وهذه البلقاء، وتعددت الأقوال فلما انتصف الليل حاجز أهل فارس، وتراجع المسلمون، وأقبل أبو محْجن حتى دخل من حيث خرج، وعاد رجليه في قيديه وقال:

لقد علمت ثقيف غير فخر

وأكثرهم دروعًا سابغات

وأنّا وفدهم في كل يوم

وليلة قادس لم يشعروا بي

فإن أُحبس فذلكم بلائي ... بأنا نحن أكرمَهُم سُيُوفًا

وأصبرهم إذا كَرهوا الوُقوفا

فإن عَميُوا فسل بهمُ عَريفًا

ولم أشعر بمخرجي الزُّحُوفا

وإن أترك أذيقُهُهُم الحُتوفا

فقالت له سلمى: يا أبا محْجَن، في أي شيء حبسك هذا الرجل؟ قال: أما والله

ما حبسني بحرام أكلته ولا شربته، ولكني كنت صاحب شراب في الجاهلية، وأنا امرؤ شاعر يدبّ الشعر على لساني، يبعثه على شفتي أحيانًا، فيساء لذلك ثنائي، ولذلك حبسني قلت:

إذا متُّ فادْفنِّي إلى أصل كَرْمَةُ

ولا تدفنِّي بالفلاة فإنني

وتُروي بخمر الحُصِّ لَحدي فإنني ... تُرَويِّ عظامي بعد موتي عُرُوقها

أخاف إذا ما مت ألا أذوقها

أسيرُ لها من بعد ما قد أسوقُها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت