كان لسلفنا الصالح من أصحاب القرون الثلاثة الأولى فضل كبير في خدمة السنة النبوية، ومن تلك الخدمة: نقلها إلينا بعد تنقيتها من الدخيل والزائد عليها؛ إنهم بذلوا أعلى غاية الجهد في خدمة السنة من أجل أن يدفعوا عنها كل دخيل؛ فأبطلوا جميع مخططات الأعداء الذين كانوا يريدون النيل من السنة وأعملوا أفكارهم وبذلوا جهدهم حتى بينوا أوهام الرواة وأخطاءهم، وحفظوا لنا السنة في صدورهم ودواوينهم حتى أوصلوها لنا نقية من تحريف كل مبطل.
ثم إن هذا الرعيل الأول من المتقدمين قد بلغوا في الحفظ والضبط والإتقان والقوة أقصى غاياته وحفظوا ونقبوا عن الطرق أشد التنقيب؛ حتى بذلوا في خدمة السنة كل غال ونفيس. ومادامت السنة في صدورهم وبين أحضانهم ولعصر الرواية انتماؤهم ووجودهم ولها ثبتت ملاحظتهم ومعايشتهم فقد تأكد وعلى ممر القرون وبالنظر والموازنة والمقارنة أن أحكامهم في هذا الشأن أعلى الأحكام وأصحها؛ لشدة قربهم ومعاصرتهم للرواية، وقوة قرائحهم وحفظهم مئات الألوف من الأسانيد حتى أصبح السند الذي يشذ عن أحدهم عزيزًا نادرًا.
ومع هذا الاتصاف بالحفظ التام والنظر الثاقب امتازوا بالورع التام والديانة والمذاكرة بينهم في خدمة هذا الدين عن طريق تنقية السنة من تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.
إذن فإن أقوال المتقدمين وأحكامهم في هذا الشان ينبغي أن تعتبر كل الاعتبار، وإن إعلال المتقدمين لحديث من الأحاديث لا ينفعه تصحيح المتأخرين.
بل إن المتأخرين لن يقفوا على مالم يقف عليه المتقدمون ولو وجد شيء على غرار هذا لكان علم المتقدمين به أولًا معلومًا، لكنهم أعلم بما لابس هذا المتن أو الإسناد من علل ظاهرة أو خفية.