وإن مما يؤسف له أن كثيرًا ممن ينتحل صناعة الحديث ظن أن هذه الصناعة قواعد مطردة كقواعد الرياضيات؛ فأصبح يعمل القواعد على ظواهر الأسانيد، ويحكم على الأحاديث على حسب الظاهر، بل ربما كان قصارى جهد أحدهم الحكم على الإسناد من خلال"تقريب"الحافظ ابن حجر أو ما أشبه ذلك من غير مراعاة لما يلحق الرواية سندًا ومتنًا من ملابسات وعلل وأخطاء واختلافات. وإننا لنلمح هذا كثيرًا حينما نجد تصحيحات المتأخرين تخالف إعلال المتقدمين، وبعد النظر والتحليل وجمع طرق الحديث مع الموازنة والمقارنة وإعادة الفكرة نجد الصواب مع المتقدمين وإنما فات المتأخرين بسبب إهمالهم لجمع الطرق والفحص الشديد وإعمال للقواعد على ظاهرها لكونها عامة مطردة باعتقادهم.
وإن مما يفوت المتأخرين كثيرًا قلة اهتمامهم بما يحف الرواية من اختلاف حال الثقة أو الصدوق أو الضعيف من حال إلى حال، ومن وقت إلى وقت، ومن مكان إلى
مكان، وكما إن حديث الثقة ليس كله صحيحًا فكذلك حديث الضعيف ليس كله ضعيفًا بل منه ما يقوى، ومع أنا قد ابتلينا بكثرة تصحيح الأحاديث على مجرد النظر في الأسانيد أو إعمال قواعد كقواعد الرياضيات كذلك ابتلينا بالمبالغة في التصحيح بالشواهد والمتابعات من غير بحث ونظر من خشية أن تلك المتابعات والشواهد وهم وخطأ، فربما جاءنا طريق ضعيف من حديث أبي هريرة قويناه، لسند آخر من حديث ابن عباس، مع أن السند الثاني وهم ناتج عن السند الأول.
ومن الأمثلة التي من خلالها يظهر لنا جليًا تباين منهج المتقدمين والمتأخرين حديث عيسى بن يونس، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعًا: (( من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقض ) ).
أخرجه أحمد [1] ، والدارمي [2] ، والبخاري في"التاريخ الكبير" [3] ، وأبو