الصفحة 59 من 145

يمشي فيها ولا يرمل وذلك ثابت عن النبي ? في الصحيحين وغيرهما, فقد تقدم لك قول جابر ? (( فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا ) )وقال البخاري في صحيحه:- حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال (( قدم رسول الله ? وأصحابه فقال المشركون:- إنه يقدم عليكم اليوم قوم قد وهنتهم حمى يثرب فأمرهم النبي ? أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا مابين الركنين ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم ) )وقال:- حدثنا أصبغ بن الفرج قال أخبرني ابن وهبٍ عن يونس عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه ? قال (( رأيت رسول الله ? حين يقدم مكة إذا استلم الركن الأسود أول ما يطوف يخب ثلاثة أطواف من السبع ) )وقال أيضًا:- حدثني محمد قال حدثنا سريج بن النعمان قال حدثنا فليح عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال (( سعى النبي ? ثلاثة أشواط ومشى أربعة في الحج والعمرة ) )وقال في صحيحه أيضًا بسنده من حديث ابن عمر رضي الله عنهما (( أن رسول الله ? كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول يخب ثلاثة أطواف ويمشي أربعة ) )وبهذه النقول الصحيحة الصريحة يتبين لك إن شاء الله تعالى أن الرمل سنة في الأشواط الثلاثة من الطواف الأول أي في طواف العمرة أو القدوم, والله تعالى أعلى وأعلم.

مسألة:- إن قلت:- كيف يكون الرمل من السنن في الطواف الآن وقد زالت علته فإن علته المذكورة في بعض النصوص السابقة إظهار القوة أمام المشركين وإبطالًا لدعواهم أن المسلمين قد وهنتهم حمى يثرب, وهذه العلة قد زالت وقد تقرر في الأصول أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا فكيف نقول بمشروعية الرمل الآن وقد زالت علته؟ فأقول:- هذا الكلام من حيث التأصيل صحيح ولكن بقي لك النظر في عدة أمور:- أحدها:- أن النبي ? رمل في حجته ولم يكن بالبيت مشركون, وقد كانت حجته بعد العمرة التي أمرهم فيها بالرمل, مما يدل على أن الرمل من السنن الثابتة في الأشواط الثلاثة الأُوَل من الطواف الأول, لأنه لو كان الرمل قد زال بزوال علته لما رمل عليه الصلاة والسلام, وهذا واضح, الثاني:- أن بقاء حكم الرمل مع زوال علته لا ينافي أن لبقائه علة أخرى وهي أن يتذكر به المسلمون نعمة الله عليهم حيث كثرهم وقواهم بعد القلة والضعف, فيكون ذلك من باب الحكم المعلل بعده علل, والحكم إذا كان كذلك فإنه لا يلزم من زوال أحد هذه العلل, زوال الحكم بالكلية لأنه معلل بعللٍ أخرى والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت