الصفحة 61 من 145

مقترن بقوله (( لتأخذوا عني مناسككم ) )فهذا يفيدك أن هذا الوضوء جار على عادته ? فإنه كان يطلب دائمًا أن يكون على طهارة ولأن هذا القول أي استحباب الوضوء هو الأيسر على الناس ويتحقق فيه رفع الحرج عنهم ومن مقاصد الشريعة رفع الحرج والضيق عن الناس, ولأنه يبعد جدًا أن يكون الوضوء من الشرائط المتحتمات ولا يبينه النبي ? بيانًا شافيًا كافيًا قاطعًا للعذر كما بين ماهو أدنى منه, فهذا يفيدك أن وضوءه في حديث عائشة هذا إنما هو لتكميل الطهارة فقط كعادته عليه الصلاة والسلام ألا ترى أنه ? لما أفاض من عرفات بال في الطريق ثم توضأ, فهكذا كانت عادته وقد قال عليه الصلاة والسلام لمن لم يرد عليه السلام إلا بعد التطهر (( إني كرهت أن أذكر الله إلا وأنا على طهارة ) )ولأن الطواف من المحال التي يتأكد فيها الذكر حرص النبي ? من باب الاستحباب أن يتوضأ قبله ليدخل في العبادة على أكمل أحواله عليه الصلاة والسلام, فحديث عائشة رضي الله عنها وإن كان صحيحًا في سنده إلا أنه ليس بصريح في الوجوب, فضلًا عن الشرطية والأصل في العبادات الإطلاق عن الشرط والله أعلى وأعلم. وأما حديث ابن عباس الذي فيه (( الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح الكلام فيه ) )فإنه حديث لا تقوم به الحجة مرفوعًا والصحيح أنه موقوف على ابن عباس رضي الله عنهما وإن سلمنا صحته مرفوعًا فإننا لا نسلم أن المقارنة بين الصلاة والطواف هنا تختص بالحكم الشرعي وإنما بالمرتبة والمنزلة, وذلك لأن قوله (( إلا أن الله أباح الكلام فيه ) )يفيد أن غيره لايباح وهذا غلط فالأكل فيه مباح والشرب فيه مباح والضحك فيه مباح, وغير ذلك مما لايجوز في الطواف فأراد ابن عباس رضي الله عنهما أن يبين منزلة الطواف في الشريعة وأنه بمنزلة الصلاة, ثم أراد أن يكشف شبهة قد تعرض للمكلف وهي:- كيف يكون صلاة ونحن نتكلم فيه؟ فأراد قطع ذلك بقوله (( إلا أنكم تتكلمون فيه ) )أي أن كلامكم في الطواف لا يخرجه عن كونه صلاة لأن الكلام فيه شيء قد أباحه الله تعالى فهو بمنزلة الصلاة وإن كنتم تتكلمون فيه, ولا يقصد بهذا الكلام أنه يشترط للطواف جميع ما يشترط للصلاة فحديث ابن عباس هذا لا يفيد وجوب الطهارة للطواف فضلًا عن كونها شرطًا فيه وأما حديث عائشة (( افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بابيت حتى تطهري ) )وحديث (( أحابستنا هي ) )فإن المنع هنا إنما لأن الحائض ممنوعة من دخول المسجد ومن لوازم طوافها دخول المسجد, أو يقال:- إن هذه الأدلة إنما تفيد اشتراط الطهارة الكبرى فقط, ولكن أي الطهارة من الحيض والنفاس والجنابة, أي الطهارة مما يوجب غسلًا, ولكن أين الدليل على اشتراط الطهارة الصغرى, وهذه احتمالات قوية ترد على هذا الدليل وقد تقرر في الأصول أن الدليل إذا تتطرق إليه الاحتمال المقبول بطل به

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت