فهرس الكتاب
جبلي طيء, أكللت راحلتي, وأتعبت نفسي, والله ماتركت من جبلٍ إلا وقفت عليه فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ? (( من شهد صلاتنا هذه, ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى نفثه ) )"صححه الترمذي والدارقطني والحاكم والنووي وأبو بكر بن العربي وهو كما قالوا"ووجه الاستشهاد منه هو أنه قال (( ووقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا ) )فقوله (( أو نهارًا ) )أي في أي جزءٍ من أجزاء النهار, ورتب على ذلك قوله (( فقد تم حجه ) )وهذا يدل على أن الواقف نهارًا يتم حجه بذلك, والتعبير باللفظ التمام ظاهر في عدم لزوم الجبر بالدم, ولم يثبت نقل صريح في معارضة ظاهر هذا الحديث, لأنه لو كان يلزمه بذلك دم لما كان حجه قد تم إلا بهذا الدم, لكن لما قال (( فقد تم حجه ) )علمنا بذلك أن حجه تام لا يحتاج لجبر بدمٍ ولا بغيره, ولأن الأصل براءة الذمة من وجوب الدم, وأما قول ابن عباس (( من ترك نسكه أو شيئًا فعليه دم ) )فإنه قول مقبول كما سيأتي إن شاء الله تعالى لكن في غير هذه المسألة لأن النبي ? قد صرح التصريح الذي لا يحتمل أن من وقف بعرفة في أي جزءٍ من أجزاء النهار فقد تم حجه, وهذه شهادة منه ? بتمام حجه وتمامه دليل على أنه لا دم عليه فلو أوجبنا الدم هنا لكنا بذلك ممن عارض قوله ? بقول ابن عباس وهذا لا يجوز لأن قوله ? مقدم على كل قولٍ, فانتبه لهذا, فالحق الحقيق بالقبول هو أنه لا دم على من اقتصر في وقوفه على النهار فقط, والله تعالى أعلى وأعلم.
مسألة:- اعلم رحمك الله تعالى أن القول الصحيح هو أن الوقوف بعرفة يبدأ من أول نهار يوم التاسع, وهذا أصح قولي أهل العلم رحمهم الله تعالى, لكن الأفضل والأتم والأكمل في الاتباع, أن لا يبدأ وقوفه إلا بعد الزوال فقلنا بأن بدء الوقوف من أول النهار لحديث عروة بن مضرس الذي ذكرناه قبل قليل, فإن فيه (( وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى نفثه ) )ووجه الاستشهاد به أنه نوع بين الليل والنهار فقال (( ليلًا أو نهارًا ) )ونحن قد قلنا:- بأن قوله (( ليلًا ) )يدخل فيه كل أجزاء الليل, فكذلك نقول في قوله (( نهارًا ) )يدخل فيه كل أجزاء النهار أيضًا, وكما أننا لا نقبل تخصيص جزءٍ من الليل إلا بدليل, فكذلك أيضًا لا نقبل تخصيص جزءٍ من النهار إلا بدليل, وأنت تعلم أن النهار اسم الأول جزءٍ بعد طلوع الفجر الثاني إلى قبيل الغروب, هذا إذا قرن بالليل, فقيل الليل والنهار, كما هنا, فهذا يدل على أن الوقوف بعرفة يبدأ من أول نهار اليوم التاسع, فإن قلت:- فالنبي ? لم يبدأ الوقوف إلا بعد الزوال, فأقول:- نعم ولذلك قلنا بأن الأفضل أن لا يدخل عرفات ولا يبدأ الوقوف إلا بعد الزوال, وهذا هو الجمع بين الأدلة وقد تقرر في القواعد أن الجمع بين الأدلة واجب ما أمكن فقلنا بأن الوقوف يبدأ من أول جزء من النهار لحديث عروة بن