فهرس الكتاب
الصلاة فإنا قوم سفر, ومن حكى ذلك عن أحد منهم فقد أخطأ وغلط غلطًا بينًا ووهم وهمًا قبيحًا وقال قولًا باطلًا باتفاق أهل الحديث ولكن المنقول عن النبي ? أنه قال لأهل مكة يوم الفتح إذ كان يصلي بهم إمامًا (( أتموا فإنا قوم سفر ) )وأما في حجة الوداع فإنه لم يثبت عنه ? ولا عن أبي بكرٍ من بعده ولا عن عمر من بعدهما أنه كان يأمر أهل مكة بالإتمام فالقول الصحيح في هذه المسألة هو أن أهل مكة إذا حجوا فإنهم تابعون للإمام وسائر الحجاج يجمعون معهم ويقصرون معهم, ومن قال غير ذلك فإنه يكون مخالفًا للسنة نعوذ بالله من خلاف السنة والله أعلم.
مسألة:- اعلم رحمك الله تعالى أن الوقوف راجلًا أو راكبًا كله جائز بالاتفاق وأما الأفضل فإنه يختلف باختلاف أحوال الناس فإن كان ممن ركب رآه الناس لحاجتهم إليه أو كان يشق عليه الوقوف وقف راكبًا فإن النبي ? وقف راكبًا قاله شيخ الإسلام رحمه الله تعالى, وقال ابن القيم رحمه الله تعالى:- التحقيق أن الركوب أفضل إذا تضمن مصلحة من تعليم المناسك والاقتداء به وكان أعون له على الدعاء ولم يكن فيه ضرر على الدابة ا. هـ. كلامه رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلى وأعلم.
مسألة:- اعلم بارك الله فيك أن الصعود على جبل الرحمة الذي يفعله كثير من العوام لا أصل له, ولا فضيلة فيه قال النووي رحمه الله تعالى:- وأما ما اشتهر عند العوام من الاعتناء بالوقوف على جبل الرحمة الذي هو بوسط عرفات كما سبق بيانه وترجيحهم له على غيره من أرض عرفات حتى ربما توهم من جهلتهم أنه لا يصح الوقوف إلا فيه فخطأ ظاهر ومخالف للسنة ولم يذكر أحد ممن يعتمد في صعود هذا الجبل فضيلة يختص بها, بل له حكم سائر أرض عرفات غير موقف رسول الله ? إلا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري فإنه قال:- يستحب الوقوف عليه, وكذلك قال الماوردي في الحاوي:- يستحب قصد هذا الجبل الذي يقال له جبل الدعاء, قال:- وهذا الذي قالوه لا أصل له ولم يرد فيه حديث صحيح ولا ضعيف فالصواب الاعتناء بموقف رسول الله ? ا. هـ. كلامه رحمه الله تعالى. قلت:- وقد تقرر في القواعد أن الأصل في العبادات الحظر والتوقيف إلا بدليل وتقرر أيضًا أنه لا يجوز تعظيم زمانٍ أو مكانٍ لم يرد بتعظيمه نص صحيح صريح, ولأنه قد تقرر أن الاستحباب حكم شرعي والأصل في الأحكام الشرعية افتقارها للأدلة الصحيحة الصريحة وأزيدك تنبيهًا آخر لا أدري هل ذكرته سابقًا أم لا, وهو أن المتقرر في الشريعة سد الذرائع, ومن الذرائع المفضية للاعتقادات الفاسدة في هذا الجبل هذه التسمية, أعني تسميته بجبل الرحمة, فإنها تضفي عليه شيئًا من التعظيم والقدسية, ولا أصل نعلمه لهذه التسمية حتى وإن ذكر في كتب بعض الأكابر فإن ذكرها