فهرس الكتاب
في أول وقتها ثم مكث يدعو ربه في المشعر الحرام حتى أسفر جدًا ثم ذهب لرمي جمرة العقبة وكان يقول في ذلك (( لتأخذوا عني مناسككم ) )والله أعلم.
مسألة:- اعلم أن أهل العلم رحمهم الله تعالى قد اختلفوا في المبيت بمزدلفة على ثلاثة أقوال:- فمنهم من قال بأنه ركن, ومنهم من قال بأنه واجب, ومنهم من قال بأنه سنة والقول بالوجوب هو قول أكثر أهل العلم, مالك وأحمد وأبي حنيفة والشافعي في المشهور عنه وعطاء والزهري وقتادة والثوري وإسحاق وأبو ثور, قاله ابن قدامة, وقال النووي رحمه الله تعالى:- وبهذا قال جماهير العلماء من السلف, وهو ما أفتت به اللجنة الدائمة, وهو الأقرب إن شاء الله تعالى فامبيت بمزدلفة واجب لا ركن, أي أنه إذا فات فإنه لا يفوت بفواته الحج وإنما يجبر بدم, والدليل على إنه واجب أنه ? بات بها وقال (( لتأخذوا عني مناسككم ) )وقد تقرر في الأصول أن الفعل يفيد الوجوب إذا كان مقترنًا بأمرٍ لساني مفيد للوجوب, ويدل على ذلك أيضًا:- الأحاديث المفيدة للإذن للضعفة بالخروج من مزدلفة إلى منى كما ستأتي إن شاء الله تعالى فإن هذا الإذن دليل على أن المبيت من الواجبات, إذ لو لم يكن من الواجبات لما احتاجوا معه إلى الإذن فهذه الأدلة تفيد أنه من الواجبات, وأما قولنا (وليس بركن) فدليل ذلك حديث عبدالرحمن بن يعمر قال:- شهدت النبي ? وهو واقف بعرفات وأتاه ناس من أهل نجد فقالوا يارسول الله كيف الحج؟ فقال (( الحج عرفة, من جاء عرفة قبل صلاة الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه ) )ووجه الاستدلال بالحديث هو أن النبي ? حكم بأن من وقف بعرفة قبل طلوع فجر يوم النحر أنه مدرك للحج, فيدخل في ذلك من أدرك الوقوف بها في آخر جزء من ليلتها أي قبل طلوع الفجر بدقائق وهذا الرجل بالطبع لن يدرك المبيت بمزدلفة لأنه لا وقت معه لإدراكه لأنه آخر جزء من الليل كان بعرفة ومع ذلك فقد قال عليه الصلاة والسلام (( فقد تم حجه ) )لأنه أدرك عرفة في جزءٍ من أجزاء إمكانية الوقوف بها, وهذا يفيدك أن المبيت بمزدلفة ليس ركنًا لأنه لو كان ركنًا لما كان حجه تامًا, بل لما كان له حج أصلًا, وهذا النوع من الاستدلال يسميه أهل الأصول الاستدلال بالإشارة والله أعلم. فإن قلت:- ألم يقل الله تعالى ? فإذا أفضتم من عرفاتٍ فاذكروا الله عند المشعر الحرام ?؟ فأقول:- بلى ولكن هل هذه الآية الكريمة تعرضت للمبيت بمزدلفة؟ الجواب:- لا, لأنها إنما بالذكر فقط عند المشعر الحرام, وقد أجمعوا كلهم على أن من وقف بمزدلفة ولم يذكر الله تعالى أن حجه تام, مما يفيد أن الذكر هنا من المستحبات لا من الواجبات, وعلى كل حال فالآية إنما أمرت بالذكر في المشعر الحرام, ولما بين النبي ? ذلك إنما بينه بعد الفجر لما جاء عند المشعر الحرام وهلل الله ودعاه ووحده وكبره, فالآية لا تعلق لها بالمبيت فلا تفيد وجوب