فهرس الكتاب
المبيت فضلًا عن الاستدلال بها على ركنية المبيت بمزدلفة. فإن قلت:- ألم يقل النبي ? في حديث عروة بن مضرس ? (( من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى نفثه ) )فهنا قد علق النبي ? تمام الحج عن شهود الصلاة والدفع معه فهذا يفيد أنه ركن أليس كذلك؟ فأقول:- بلى هو كذلك لو لم ترد قرائن تصرفه عن هذا إلى غيره, لكن قد ورد عندنا قرائن تصرفه عن هذا الفهم إلى الوجوب فقط وهي كما يأتي:-
الأول:- أنه قد تقرر في الأصول أن الجمع بين الأدلة واجب ما أمكن, ولا يتم الجمع بين حديث عبدالرحمن بن يعمر السابق وحديث عروة بن مضرس هذا إلا إذا قيل بعدم ركنية المبيت بمزدلفة لأنه ? قضى قضاءً جازمًا بأن من أدرك عرفة قبل الفجر فقد أدرك الحج, وكلاهما حديثان صحيحان, ولا يتم الجمع بينهما إلا إذا قيل بوجوب المبيت فقط لا أنه ركن, فجمعًا بين الأدلة قلنا إنه واجب, ويوضحه الوجه الثاني.
الثاني:- أنه قال في الحديث (( من شهد صلاتنا هذه ) )أي صلاة الفجر وأنت خبير بأن أهل العلم رحمهم الله تعالى قد أجمعوا كلهم أنه لو بات بمزدلفة ووقف قبل ذلك بعرفة ونام عن صلاة الصبح فلم يشهدها مع الإمام حتى فاتته أن حجه تام, مما يدل على أن الحديث لا يفيد ركنية شهود صلاة الفجر في مزدلفة, وبناءً عليه فالصحيح إن شاء الله تعالى أن المبيت بمزدلفة واجب لا ركن والله أعلم, فإن قلت:- فماذا تقول في رواية النسائي لحديث عروة بن مضرس فإن النسائي قال في سننه:- أخبرنا محمد ابن قدامة, قال حدثني جرير عن مطرف عن الشعبي عن عروة بن مضرس ? قال قال رسول الله ? (( من أدرك جمعًا مع الإمام والناس حتى يفيض منها فقد أدرك ومن لم يدرك مع الناس والإمام فلم يدرك ) )فإنه قاضٍ بركنية الوقوف بمزدلفة؟ نعم هو كذلك لو كانت هذه الزيادة ثابتة, لكنها ضعيفة, قال ابن حجر في الفتح:- وقد صنف أبو جعفر العقيلي في إنكار هذه الزيادة ا. هـ. وحيث كانت هذه الزيادة ضعيفة فلا نثبت بها حكمًا, لأن المتقرر في القواعد أن الأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها للأدلة الصحيحة الصريحة. فإن قلت:- فقد روى أبو يعلى هذا الحديث بلفظ (( ومن لم يدرك جمعًا فلا حج له ) )فإنها صريحة في أنه ركن, قلت:- نعم لو كانت هذه الرواية صحيحة, لكنها ضعيفة أيضًا لا يثبت أهل الحديث مثلها, فقد ضعفها النووي وابن حجر وغيرهما من المحققين وحيث كانت ضعيفة فلا نثبت بها حكمًا شرعيًا لأن الأحكام الشرعية وقف على الأدلة الصحيحة الصريحة, وبه تعلم إن شاء الله تعالى أن القول الصحيح والرأي الراجح المليح هو أن المبيت بمزدلفة من واجبات الحج وإذا فات فإنه يجبره بدم والله تعالى أعلى وأعلم.