فهرس الكتاب
وفي لفظ (( كنا نفعله على عهد رسول الله ? نغلس من جمعٍ إلى منى ) )وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال (( بعثني رسول الله ? في الثقل أو في الضعفة من جمعٍ بليل ) )"متفق عليه"وفي لفظ (( أنا ممن قدم رسول الله ? في ضعفة أهله ) )والأدلة على ذلك كثيرة, قال ابن قدامة:- ولا نعلم فيه مخالفًا ا. هـ. وأما الذكور الأقوياء فلا يحل لهم أن يرموا الجمرة إلا بعد طلوع الشمس, ويدل على ذلك بأن الأصل هو وجوب المبيت وإنما الرخصة وردت في حق الضعفاء فيخرجون هم فقط ويبقى من عداهم على أصل وجوب البقاء, ولأن هذه رخصة للضعفاء حتى لا يشاركهم فيها غيرهم فيتمكنون من الرمي بيسر وسهولة وبلا مزاحمة, فلو أجزناه أيضًا للأقوياء لذهبت الحكمة من الترخيص, فلا تتم الحكمة من هذا الترخيص إلا بحبس الأقوياء في مزدلفة ليتمكن الضعفة من الرمي قبل الفجر, فإن الناس في هذه المشاعر يصيبهم الضيق ويبحثوا عن الجائز ويغضون الطرف عن السنة, فإذا علم الأقوياء أنه يجوز لهم النفر في الليل ولكن السنة لهم أن يبقوا, لتخلف كثير من الحجاج الأقوياء عن السنة لما يشعرون به من التضايق ولرغبتهم الأكيدة في التحلل من ثياب الإحرام, وهذا أمر معروف مجرب, فالأصح هو وجوب بقاء الأقوياء وعدم جواز الرمي لهم ليلًا وإنما جواز الرمي ليلًا من خصائص الضعفاء فقط, ولأنه ? رماها ضحىً وقال (( لتأخذوا عني مناسككم ) )وأنت تعلم أن الفعل إذا اقترن به قول مفيد للوجوب فإنه - أي الفعل للوجوب - كما قدمناه سابقًا. ويستدل عليه أيضًا بحديث ابن عباس رضي الله عنهما (( أن النبي ? بعث بضعفة أهله فأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس ) )"رواه أصحاب السنن"وفي رواية أن ابن عباس قال:- قَدَّمَنَا رسول الله ? ليلة المزدلفة أغيلمة بني عبدالمطلب على جمرات فجعل يُلَطِّخ أفخاذنا ويقول (( أي بني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس ) )وهذا الحديث صحيح, قال الترمذي:- حديث ابن عباس حديث صحيح, والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم ا. هـ. وقال النووي:- أما حديث ابن عباس فصحيح رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم بأسانيد صحيحة, وقال ابن القيم في زاد المعاد:- حديث حسن صححه الترمذي وغيره وقال الشنقيطي:- وهذا الحديث صحيح, وقوله ? (( أي بني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس ) )وهذا نهي وقد تقرر في الأصول أن النهي المطلق عن القرينة يفيد التحريم, وقوله في الحديث الآخر (( فأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس ) )هذا يفيد أنه أمرهم بذلك وقد تقرر في الأصول أن الأمر المطلق عن القرينة يفيد الوجوب, وهذا الأمر والنهي وإن كان متوجهًا لابن عباس والأغيلمة معه إلا أنه قد تقرر في القواعد أن كل حكم ثبت في حق