فهرس الكتاب
أخبرنا سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أمه قالت (( رأيت رسول الله ? يرمي الجمرة من بطن الوادي وهو راكب يكبر مع كل حصاة ... الحديث ) )وفي لفظ له (( رأيت رسول الله ? عند جمرة العقبة راكبًا ورأيت بين أصابعه حجرًا فرمى ورمى الناس ) )"حديث صحيح"وهذا في رمي جمرة العقبة فقط وأما ما تبقى من الرمي في أيام التشريق فالأفضل فيها أن يكون ماشيًا, هكذا نقل عنه ?, قال أبو داود في سنه:- حدثنا القعنبي قال حدثنا عبدالله - يعني ابن عمر - عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما (( أنه كان يأتي الجمار في الأيام الثلاثة بعد يوم النحر ماشيًا ذاهبًا راجعًا ويخبر أن النبي ? كان يفعل ذلك ) )"حديث صحيح"ولكن كما ذكرت لك أن هذا فيما إذا تيسر له ذلك وإلا فليرم الإنسان حسب ما تيسر له, والله أعلى وأعلم.
مسألة:- اعلم رحمك الله تعالى أن المتقرر في القواعد أن الأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها للأدلة الصحيحة الصريحة, وقد شرحناها في موضعٍ آخر, وبناءً عليه فالراجح المحفوف بالدليل والقاعدة أنه يجوز الرمي بحصاةٍ قد رمي بها, وذلك لأن الأصل في الأشياء الحل والإباحة إلا بدليل, ولا أعلم دليلًا صالحًا لإثبات الكراهة المدعاة من بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى, فالحق الحقيق بالقبول هو جواز ذلك ولا حرج فيه وإن احتاط الإنسان فتورع عن ذلك فهو الأفضل عندنا ولا شك خروجًا من الخلاف ولكن لو أنه فعل ذلك فلا حرج عليه البتة ورميه صحيح لا غبار عليه, وذلك لأنه لم يثبت دليل صحيح صريح في كراهة الرمي بحصاة قد رمي بها, وأما قولهم:- إنها حصاة قد فعل بها عبادة, فليس بشيء إذ لا دليل يدل على كراهة إعادة العبادة بها مرة أخرى وليس الاستحسان طريقًا تعرف به الأحكام الشريعة, أما قولهم:- قياسًا على الوضوء بماءٍ قد استعمل في طهارة, فليس بشيء أيضًا لأن القول الصحيح والرأي الراجح المليح جواز التطهر بماء قد تطهر به, ولا حرج في ذلك وقد شرحنا المسألة في موضع آخر والكراهة لا يجوز ادعاؤها إلا بدليل ولا أعلم إلى ساعتي هذه دليلًا صحيحًا صريحًا على هذه الكراهة لا من القرآن ولا من السنة ولا من هدي السلف ولا من الإجماع ولا من القياس الصحيح, فحيث لا دليل فالأصل عدم الكراهة لأن الأصل العدم, والأصل أن الأحكام الشرعية لا تثبت إلا بدليل الصحيح الصريح, والأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقل, فإن قلت:- ولماذا ادعيت الأفضلية في الرمي بحصاةٍ لم يرم بها مع عدم وجود الدليل على الكراهة؟ فأقول:- لأنك لو رميت بحصاةٍ لم يرم بها لما أنكر عليك أحد من أهل العلم, بل اتفق أهل العلم جميعًا على أنك قد فعلت ما أمرت به شرعًا وأما لو خالفت ورميت بحصاةٍ قد رمي بها لأنكر عليك من يمنع ذلك, وقد تقرر في القواعد أن فعل مااتفق عليه العلماء أولى من فعل ما انفرد به