الصفحة 83 من 145

مسألة:- اعلم رحمك الله تعالى أن رمي جمرة العقبة له وقتان وقت ابتداء ووقت انتهاء فأما وقت الابتداء بالنسبة للضعفة ومن في حكمهم فإنه من منتصف ليلة يوم النحر أو من مغيب القمر تلك الليلة, وأما وقته بالنسبة للأقوياء فإنه من طلوع الشمس, وقد قدمنا الأدلة على ذلك, وأما انتهاؤه, فلا أعلم إلى ساعتي هذه دليلًا يفيد أنه ينتهي إلى وقت كذا وكذا, ولكن نجزم جزمًا أنه يستمر إلى غروب الشمس يوم النحر, وذلك للإجماع. قال ابن عبدالبر رحمه الله تعالى:- أجمع أهل العلم على أن من رماها يوم النحر قبل المغيب فقد رماها في وقت لها وإن لم يكن مستحبًا لها, ذكره ابن قدامة عنه في المغني. فهذا الوقت مجزوم به للإجماع المذكور وقد تقرر في الأصول أن الإجماع حجة شرعية يجب قبولها والمصير إليها وتحرم مخالفتها, وأما تأخير الرمي إلى مابعد غروب الشمس فقد اشتد خلاف أهل العلم فيه, والراجح إن شاء الله تعالى هو استمرار وقت رمي جمرة العقبة إلى آخر الليل أي قبل طلوع الفجر من اليوم الحادي عشر, وبهذا أفتى أهل العلم في زماننا وعلى رأسهم سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله تعالى والدليل على ذلك عدم الدليل المانع والأصل التوسعة على الناس فيما لم يرد فيه نص صحيح صريح, ولاسيما مع شدة الزحام, وقد تقرر في القواعد أن رفع الحرج أصل من أصول الشريعة وما خير ? بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثمًا ولا إثم في الرمي ليلًا, إذ لا دليل يمنعه والأصل عدم المنع, والمنع حكم شرعي والأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها للأدلة الصحيحة, ولأنه ? أجازة للرعاة أن يتخلفوا عن رمي يوم كامل ويرموه في اليوم الذي بعده من أجل مراعاة حال البهائم ورحمة بها وشفقة عليها, فلأن يجوز الرمي ليلًا مراعاة لحال الآدميين حتى لا يقتل بعضهم بعضًا من باب أولى, بل من باب أوجب وقد تقرر في الأصول أن القياس الأولوي حجة, ولم نعلم على مدى السنين التي حججناها أن أحدًا مات في الرمي ليلًا, وإنما الآفة تكون بالرمي ضحىً فإنه تزدحم على الجمرة الأعداد الكثيرة والجموع الغفيرة, ويحصل من الزحام والتدافع والتقاتل والأذى ما الله به عليم, فكان المناسب شرعًا التوسعة على الناس في ذلك فيقال لهم:- لا بأس بتأخير الرمي إلى قبيل الفجر من يوم الحادي عشر, فإن الناس إذا علموا بذلك وفقهوه وتعودوا عليه سهل عليهم الأمر ولانت لهم هذه الشعيرة, وأما زحم الناس في وقت الضيق بلا دليل فإن هذا من التعدي والعدوان, فالراجح جواز الرمي ليلًا وأن وقت رمي جمرة العقبة يمتد إلى طلوع الفجر من يوم الحادي عشر فمن رماها في هذا الوقت فقد أصاب النسك ويستدل عليه أيضًا بحديث (( رميت بعد ما أمسيت ) )فقال (( لا حرج ) )وهو حديث صحيح, ولكن عليه مناقشات في صراحته جعلتنا نؤخره إلى آخر المسألة والله أعلم. والصحيح أيضًا أن من أخر رمي جمرة العقبة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت