الصفحة 82 من 145

الثامن:- المرأة المرضع ذات الطفل إذا لم تجد من يمسك طفلها حتى ترمي وتعود فيجوز لها التوكيل. وعلى ذلك فقس وهذا كله داخل تحت أصل عظيم من أصول الشريعة وهو (رفع الحرج) والله تعالى أعلى وأعلم.

مسألة:- اعلم رحمك الله تعالى أنه إذا زال عذر المستنيب ولا تزال أيام الرمي باقية أنه لا يلزمه إعادة الرمي, وذلك لأنه قام بما وجب عليه شرعًا, ومن قام بما وجب عليه شرعًا فإنه لا يلزمه الإعادة, ولاسيما أن الانتقال من الأصل إلى البدل هنا انتقال رخصة لا انتقال ضرورة, كمن قدر على الهدي بعد الشروع في الصيام فإنه لا يلزمه الهدي بل يكمل أيام صومه وكمن كفر بالصيام عن يمينه لعجزه عن الإطعام والكسوة ثم قدر عليهما في أثناء الصيام فإنه لا يلزمه الانتقال لهما بل يكمل أيام صومه, وأزيدك إيضاحًا فأقول:- إن الانتقال من الأصل إلى البدل لا يخلوا من حالتين:- إما أن يكون انتقال ضرورة وإما أن يكون انتقال رخصة, فإذا كان انتقال ضرورة فإنه يلزمه عند زوال العذر الانتقال إلى الأصل ولو في أثناء فعل البدل كمن قدر على التطهر بالماء وقد صلى بالتيمم وكمن قدرت على الاعتداد بالحيض وقد بدأت بالاعتداد بالأشهر, وأما إذا كان الانتقال انتقال رخصة وتوسع فلا يلزمه العودة إلى الأصل بعد الشروع في بدله كما مثلنا سابقًا, ولأنه قد تقرر في الشريعة أن الجواز ينافي الضمان, ونحن قد أجزنا له بالأدلة أن يوكل غيره, فحيث اجزنا له ذلك فإنه لاضمان عليه في إعادة الرمي بعد زوال العذر, ولأنه حال توكيله كان يغلب على ظنه أنه لا يقدر على الرمي وزوال العذر من أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله, وغلبة الظن كافية في العمل, ولأن إعادة الرمي دليل على نقض رمي وكيله, وقد وقع رمي وكيله صحيحًا, وما وقع صحيحًا فلا يجوز نقضه إلا ببينة صحيحة صريحة لأن العبادة المنعقدة بالدليل لا تنقض إلا بالدليل ولأن رمي وكيله منزل منزلة رميه هو بنفسه وقد برأت ذمته برمي وكيله عنه, فأمرنا له بالإعادة إعمار لذمته مرة أخرى, والأصل براءة الذمة بالرمي الأول. فقد سقط وجوب الرمي عنه بالرمي الأول فأين الدليل الدال على إعمار ذمته بوجوب آخر, ولأن العبد لم يطالب إلا برمي واحد, وقد رمى بالوكالة فلو أوجبنا عليه رميًا آخر نكون بذلك قد أوجبنا عليه رميين والأصل أنه رمي واحد فأين الدليل الموجب لرمي آخر ولأن وجوب رمي آخر عليه حكم شرعي والأصل في الأحكام الشرعية التوقيف, ولا نعلم دليلًا يصلح أن يكون سندًا لهذا الوجوب الجديد فالأصل عدمه, وما كان الأصل عدمه فثبوته يفتقر لدليل صحيح صريح, وحيث لا دليل فالأصل هو صحة الرمي الأول والاكتفاء به والله أعلى وأعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت