فهرس الكتاب
أن المتقرر في الأصول أن الجمع بين الأدلة واجب ما أمكن وأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما ما أمكن, فينزل حديث جابر هذا على أصحاب النبي ? الذين لم يحلوا من إحرامهم أي على المفردين والقارنين فقط وينزل حديث ابن عباس وعائشة رضي الله عنها على المتمتعين, وبهذا يزول الإشكال وإن لم يقبل هذا الجواب فنقول:- إن حديث ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما فيهما زيادة حفظاها, وجابر ترك هذه الزيادة لعدم حفظها وقد تقرر في الأصول أن من حفظ حجة على من لم يحفظ, ويقال أيضًا:- أن ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما يثبتان طوافًا وسعيًا آخر غير الطواف والسعي الأول, وجابر ينفيه وقد تقرر في الأصول أن المثبت مقدم على النافي لأن المثبت معه زيادة علم خفيت على النافي وبهذا فلا يكون ثمة إشكال بينهما ولله الحمد والمنة. وهذا يبين لك أن قول الجمهور في هذه المسألة هو الصواب, بل لا نشك في أنه هو الصواب. وبه تعلم أن ما ذهب إليه أبو العباس ابن تيمية في هذه المسألة مرجوح, وأن الحق خلافه والدليل عندنا أعظم من كل أحدٍ, وإن كانت هيبة أبي العباس متقررة في نفوسنا ولكن هيبة الدليل وعظمته في نفوسنا أكبر وأقوى ولا يمكن أبدًا أن تخالف الدليل من أجل أحدٍ كائنًا من كان والله تعالى أعلى وأعلم. ويقال أيضًا:- إن عدم طواف المتمتع بعد رجوعه من منى الثابت في صحيح مسلم إنما رواه جابر وحده وأما طوافه بعد رجوعه من منى رواه في الصحيح ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما, وما رواه اثنان أرجح مما رواه الواحد. فإن قلت:- فما تقول في أدلة من ذهب إلى أن القارن لابد له من طوافين وسعيين؟ فأقول باختصار حتى لا أطيل:- كل حديث فيه أن القارن عليه سعيان فهو ضعيف لا تقوم به الحجة وقد تقرر في الأصول أن الأحكام الشرعية لا تثبت إلا بالأدلة الصحيحة الصريحة, ولو راجعت أسانيدها لتبين لك صحة ما قلناه, فالحق الحقيق بالقبول في هذه المسألة هو أن القارن كالمفرد يكفيه طواف واحد وسعي واحد وأن المتمتع لابد له من طوافين وسعيين, طواف وسعي لعمرته, وطواف وسعي لحجه والله تعالى أعلم وأعلى.
مسألة:- اعلم أن القول الصحيح هو جواز تأخير طواف الإفاضة إلى طواف الوداع فيطوف طوافًا واحدًا لإفاضته ووداعه بنيتهما أو بنية طواف الإفاضة ويدخل معه طواف الوداع تبعًا, وذلك لأنه قد تقرر في القواعد أنه إذا اجتمع عبادتان من جنسٍ واحد وفي وقتٍ واحد فإن الصغرى تدخل في الكبرى ولكن فصلهما أولى, فإن قلت:- وماذا يفعل المتمتع الذي عليه سعي آخر بعد طواف الإفاضة أو المفرد والقارن إذا أخرا سعي الحج ليطوفاه بعد طواف الإفاضة؟ فأقول:- لا حرج في ذلك فليطوفوا طواف الإفاضة ويدخل معه الوداع تبعًا ثم يسعون سعي الحج وبقائهم في الحرم للسعي