فهرس الكتاب
لا يؤثر لأنه بقاء اضطراري لتكميل النسك لا بقاء اختياري, وبهذا أفتى كثير من أهل العلم, وهو الحق في هذه المسألة, ولكن ينبغي للحاج أن لا يعود نفسه على هذه الرخص بل لابد له من الأخذ بالعزائم لما في ذلك من تعظيم شعائر الله تعالى والله تعالى أعلى وأعلم.
مسألة:- اعلم رحمك الله تعالى أن القول الصحيح أن حديث ابن عباس (( من نسي من نسكه شيئًا أو تركه فليهرق دمًا ) )إنما يصح موقوفًا على ابن عباس وقد روي مرفوعًا ولكنه لم يثبت عنه, فقد روى مالك في الموطأ عن أيوب عن أبي تميمة السختياني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال (( من نسي من نسكه شيئًا أو تركه فليهرق دمًا ) )وهذا إسناد في غاية الصحة إلى ابن عباس رضي الله عنهما. وقد رواه أيضًا البيهقي في سننه بسنده من حديث سعيد بن جبير أن ابن عباس قال الحديث نفسه, وقال النووي في شرح المهذب:- وأما حديث ابن عباس (( من ترك نسكًا فعليه دم ) )فرواه مالك والبيهقي وغيرهما بأسانيد صحيحة عن ابن عباس موقوفًا لا مرفوعًا ا. هـ. ولذلك فالضابط عندنا في كتاب الحج يقول (من ترك نسكه أو شيئًا منه فعليه دم) ودليل هذا الضابط هو حديث ابن عباس المتقدم, ووجه الاحتجاج به أمران:- الأول:- أن هذا الإيجاب من ابن عباس له حكم الرفع إذ لا مجال للرأي فيه وابن عباس ليس ممن يأخذ عن أهل الكتاب وقد تقرر في الأصول وقواعد التفسير أن الراوي إذا قال قولًا لا مجال للرأي فيه وليس ممن يأخذ عن أهل الكتاب فإن لقوله هذا حكم الرفع, الثاني:- أن المتقرر في الأصول أن قول الصحابي حجة إذا لم يخالف نصًا ولم يخالفه صحابي آخر وقول ابن عباس هذا لم يخالف نصًا ولم يخالفه صحابي آخر, فلذلك فقول ابن عباس عندنا معتمد في وجوب الدم على كل من ترك نسكًا أو ترك شيئًا منه, إما لأنه له حكم الرفع وإما لأنه لا يعرف له مخالف من الصحابة وهم خير الأسوة لنا بعد رسولنا ?. وقوله ابن عباس (من ترك نسكه) أي الترك الكامل, وقوله (أو شيئًا منه) أي الترك الجزئي بأن يفعل بعضه ويترك بعضه بغض النظر عن مقدار هذا المتروك لأن قوله (من ترك) هو شرط, وقوله (أو شيئًا منه) نكرة وقد تقرر في الأصول أن النكرة في سياق الشرط تعم, فيعم كل متروك من النسك, ولأن المناسك التي أمرنا بها تدخل في حيز المأمورات وقد تقرر في الأصول أن المأمورات لا تسقط بالجهل والنسيان وأن الذمة لا تبرأ إلا بفعلها ولا ننظر إلى أن المتروك من النسك نزر يسير وإنما ننظر إلى أنه لم يكمل النسك الذي أمر به, فلم يقم بالعبادة على وجهها الشرعي بالصفة الواردة عنه ?, أرأيت على قول من أوجب تسبيح الركوع والسجود لو أن المصلي ترك تسبيحه الركوع أو السجود, ولم يسجد للسهو وطال الفصل فإن الموجبين لها يأمرونه بإعادة الصلاة لأنه ترك المأمور به فلم تبرأ ذمته مع أن المتروك