الصفحة 119 من 492

ومنها: قوله تعالى: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي } فأمر باتباعه ، والاتباع هنا أمر عام فيشمل: الاتباع في الأقوال ، والاتباع في الأفعال . وهما الهدي القولي ، والهدي الفعلي .

ومنها: أنه - صلى الله عليه وسلم - ثبت عنه بالاستقراء أنه كان يأمر بالأخذ عنه في أفعاله ، فقال في الصلاة: (( صلوا كما رأيتموني أصلي ) )، وصلى مرة على المنبر وقال: (( إنما فعلت ذلك لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي ) )، وكذلك أفعاله في الحج فكان كلما فعل فعلًا قال: (( خذوا عني مناسككم ) )، وكذلك لما سأله الأعرابي عن مواقيت الصلاة علمه بالفعل في يومين ثم قال: (( ما بين هذين وقت ) )، وقد كان الصحابة يقتدون به في أفعاله وهو يراهم ولا ينكر عليهم ، وهذا كله يدل على أن الأصل في باب الأفعال النبوية أنها للتشريع إلا ما دل الدليل على إخراجه إلى بابٍ آخر .

وفائدة هذا الأصل أنه إذا أشكل عليك شيء من الأفعال ، هل هو تشريعي أو من باب الخصوصية أو الجبلة ؟ فاعمل بالأصل هذا ، وقل هو للتشريع لأن الأصل في أفعاله التشريع ، وأيضًا إذا ادعى أحد أن فعله هذا من باب الخصوص ، فقل له: لا نقبل قولك هذا إلا بدليل لأن الأصل في فعله التشريع ، فلماذا أخرجته عن أصله ؟ ما الدليل على هذا الإخراج ؟ ذلك لأن الدليل يطلب من الناقل عن الأصل لا من الثابت عليه ، لكن هو لا يستطيع أن يقول لك: وما دليلك أنت على أن فعله هذا للتشريع ، لأن معك الأصل ، ومن كان قائلًا بالأصل فإنه لا يطالب بالدليل ، فاحفظ هذا الأصل فإنه سيكون فاصلًا للنزاع فيما ستراه من الفروع التي كثر فيها الخلاف، والله أعلم.

(المسألة الثالثة) : وهي قولنا (ما الضابط في الفرق بينها) أي بين هذه الأقسام الثلاثة ، الأفعال التشريعية والخصوصية والجبلية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت