ومنها: ثبت عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الشرب قائمًا في عدة أحاديث صحيحة ، وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه خالف ذلك النهي فشرب مرةً قائمًا من بئر زمزم كما في حديث علي - رضي الله عنه - قال:"فدعا بسجلٍ من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ"، وكذلك شرب واقفًا من القربة المعلقة وهذا الفعل كان بمحضرٍ من الناس . فنقول: إنما فعله - صلى الله عليه وسلم - لبيان الجواز أي لبيان جواز الشرب قائمًا ، فالنهي إذًا مصروف عن بابه إلى الكراهة ، وذلك للجمع بين الأدلة لأنه إذا أمكن العمل بالدليلين فهو أولى ، وبه تعلم أن من قال إنما شرب قائمًا للزحام أو لضرورة الوقوف لأن القربة معلقة أنها تعليلات عليلة ، بل الصواب أن يقال: إنه شرب قائمًا لبيان الجواز وأن النهي الذي صدر منه ليس للتحريم وإنما للكراهة ، فالشرب قائمًا جائز لكن مع الكراهة ، فقلنا بالجواز: لوجود الفعل ، وقلنا بالكراهة: لوجود النهي ، وبه تتآلف الأدلة ولله الحمد والمنة ، وعلى ذلك فقس . فالفعل المظهر إذا خالف النهي فلبيان الجواز ويكون صارفًا للنهي من التحريم إلى الكراهة .
فإن قلتَ: فلماذا اشترطت في الفعل أن يكون ظاهرًا ، قلتُ: لأنه لا يكون تشريعًا إلا مع الإظهار ، إذ ما الفائدة من تشريع يختفي به - صلى الله عليه وسلم - فهو مأمور أن يبلغنا شرع ربنا ، وكيف يحصل البلاغ مع الاختفاء ؟ فإذا اختفى بفعل علمنا أنه لم يرد به التشريع ، ولذلك اشترطنا أن يظهره ولو عند واحدٍ من المكلفين ليحصل البلاغ ، فنحن لا نطالب بشريعة إلا إذا علمناها ، ولا يمكن أن نعلمها إلا إذا ظهرت لنا ، فإن قلتَ: هل عندك شيء من الفروع الفقهية على هذا ؟