منها: أمر الله تعالى بالوضوء عند القيام إلى الصلاة أمرًا معلقًا بشرط ، وتقدم لك أن الأمر المعلق على الشرط يفيد التكرار إذا كان الشرط علة له ، فيكون النبي - صلى الله عليه وسلم - وسائر المؤمنين مأمورين بتكرار الوضوء عند تكرر القيام إلى الصلاة ، هذا هو ظاهر الآية ، لكن ثبت في صحيح مسلم وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خالف هذا الأمر وصلى الصلوات الخمس بوضوءٍ واحد وقال: (( عمدًا فعلته ) )، ففعله هذا مخالف للأمر فيدل على بيان الجواز ، لكن المستحب تكرار الوضوء وتجديده ، لكن لو صلى الصلوات الكثيرة بوضوءٍ واحد فلا بأس ، وهذا هو الصحيح ولا شك . فجعلنا الفعل لبيان جواز الترك والأمر القولي للاستحباب .
ومنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا ) )فهذا أمر قولي يقضي أن يكون الوتر هو آخر صلاة الليل ولا شيء بعده من صلاة الليل ، وثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خالف ذلك الأمر بفعله ، فثبت عنه أنه صلى بعد الوتر ركعتين وهو جالس ، فالفعل خالف القول ، لأن هاتين الركعتين من جملة صلاة الليل ، فيكون فعله هذا لبيان الجواز ، والأمر لبيان الاستحباب ، فالفعل هذا صرف الأمر القولي عن بابه إلى الندب ، فيجوز للإنسان التطوع بشفعٍ بعد الوتر ، لكن المستحب أن يجعل الوتر آخر صلاة الليل ، فيصلي ما شاء من الشفع ثم يوتر ، لكن لو أوتر ثم بدا له أن يصلي بقية الليل فله ذلك لكن لا يعيد الوتر مرة أخرى لحديث: (( لا وتران في ليلة ) ).
والفروع كثيرة وإنما المقصود الإشارة ، فنخلص من ذلك أن فعله - صلى الله عليه وسلم - إذا خالف أمره أو نهيه فإنه لبيان الجواز ، أي لبيان جواز الترك في الأمر ، ولبيان جواز الفعل في النهي ، وأن فعله يُعَدُّ من جملة الصوارف للأمر من الوجوب إلى الاستحباب ، والنهي من التحريم إلى الكراهة التنزيهية . هذا هو التحقيق في هذه المسألة .