الصفحة 153 من 492

من الفروع: قوله تعالى: { وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } فهذا فيه بيان حكم الردة وأنها محبطة للعمل بمجردها ، فحبوط العمل إذًا بمجرد الردة ، لكن ورد ذلك مقيدًا بقيد آخر وهو الموت على الكفر في قوله: { وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ } فاشترط شرطًا زائدًا لحبوط العمل وهو الموت على الردة فيحمل المطلق على المقيد ، فنقول: إن مجرد الردة لا يحبط العمل المتقدم إلا إذا مات صاحبه ، أما إذا عاد للإيمان فإنه يعود له ما عمله قبل الردة ، وينبني على ذلك أن صلاته وحجه وعمرته وصومه وسائر أعماله الصالحة باقية له لا يلزمه إعادتها ، مثاب عليها في الآخرة ، أما إذا مات وهو مصر على ردته - والعياذ بالله تعالى - فإن كل عمل صالح عمله في وقت إيمانه يحبط ويكون هباءً منثورا .

ومنها: قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } قال بعض العلماء: يعني إذا أخروا التوبة إلى حضور الموت حملًا لهذه الآية على قوله تعالى: { وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ } ولعموم الأدلة الدالة على أن من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها وغرغرة الروح تاب الله عليه ، وأن الله يغفر الذنوب جميعًا ، فلذلك حملنا الآية الأولى على ما إذا أخر التوبة إلى حضور الأجل جمعًا بين الأدلة بحمل المطلق على المقيد ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت