الأول: أن دليلهم هذا مبني على عدم النقل أي أن الأكثر ما نقلوه ، وعدم نقل الأكثر له ليس دليلًا على عدمه إذ يكفي في إثباته نقل واحدٍ فقط وقد حصل ، فلو أن جمعًا كثيرًا من الناس اتفقوا على عدم نقل حادثةٍ وهي في الواقع موجودة فإن عدم نقلهم ليس دليلًا على عدمها إذ أننا أثبتنا وجودها بطريق آخر وهو نقل غيرهم لها ، فهب أن الأكثر ما نقلوه هذا الخبر فهل هذا يدل على عدم حقيقة هذا الخبر ؟
الجواب بالطبع: لا . لأنه ثبت بإخبار غيرهم .
الثاني: أننا نجدكم أيها الحنفية تعتمدون أشياء تعم بها البلوى ولا طريق لثبوتها إلا خبر الواحد ، من ذلك: قولكم بوجوب الوتر ، والوضوء من القهقهة في الصلاة مع ضغف الخبر واختياركم تثنية الإقامة في الصلاة وكذلك أوجبتم الوضوء بخروج النجاسة من غير السبيلين وكل ذلك مما تعم به البلوى ، وأدلتكم على ذلك إنما هي خبر الواحد ، بل قلتم بوجوب الغسل من غسل الميت وحديثه آحاد ، فأنتم بذلك متناقضون إذ قد ذهبتم إلى عدم قبول خبر الواحد فيما تعم به البلوى ثم تعتمدون أحكامًا تعم بها البلوى بأخبار الآحاد وهذا التناقض مضعف لقولكم الذي ذهبتم إليه .
الثالث: لا نسلم لكم أن ما كثر السؤال عنه لابد أن يكثر نقلته ، أو أن ما اشتدت الحاجة لبيانه فلابد أن يكثر ناقلوه ، فهذه شروط البيع والنكاح والأذان والإقامة هي مما تعم بها البلوى لكثرة وقوعها ومع ذلك فناقلوها لا يبلغون حدَّ التواتر ، فإذًا تعلم بهذا أن القول الصواب هو ما نصت عليه هذه القاعدة المهمة .
وإليك الآن بعض الفروع عليها حتى تعرف مدى أهميتها فأقول:
منها: الوضوء من مس الذكر ، فذهب الجمهور إلى أنه ناقض بشرطه واستدلوا على ذلك بحديث بسرة بنت صفوان مرفوعًا (( من مس ذكره فليتوضأ ) )وقالت الحنفية: لا ينقض الوضوء واستدلوا بحديث طلق بن علي (( لا ، إنما هو بضعة منك ) )وأجابوا عن حديث بسرة بأنه خبر آحاد فيما تعم به البلوى فلا يقبل .