ومن الأدلة أيضًا: حديث أبي هريرة مرفوعًا:"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"متفق عليه ، فدل ذلك على أن المشقة تحصل بالأمر للزوم الامتثال حينئذٍ لكنه ترك الأمر ، لوجود المشقة ، فدل ذلك على أن الأمر يفيد الوجوب لأنه لو لم يفد الوجوب لما حصلت المشقة ، لكن لما كان الأمر يفيد الوجوب والوجوب فيه مشقة ترك الأمر به ، والله أعلم .
ومن الأدلة على ذلك: حديث بريرة بعد أن أعتقتها عائشة وكان زوجها عبدًا فخيرها النبي - صلى الله عليه وسلم - بين مفارقة زوجها وعدمه فاختارت فراقه وكان زوجها مغيث يحبها وكان يمشي خلفها في الأسواق يبكي فلما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك ذهب إلى بريرة فقال لها: (( لو راجعتيه فإنه أبو أولادك ) )فقالت: أتأمرني يا رسول الله ، فقال: (( لا إنما أنا شافع ) )، فقالت: لا حاجة لي فيه . فدل ذلك أنه لو كان أمرًا للزمها الطاعة والانقياد ولذلك استفسرت من كلامه هذا: أهو أمر فتمتثل أو لا ؟ فأخبرها أنه إنما هو شافع ، فدل ذلك على أن الأمر يفيد الوجوب ، والله أعلم .
ومن الأدلة التي ذكرها القاضي أبو يعلى في كتابه العظيم العدة على ذلك - أي أن الأمر المطلق يفيد الوجوب - إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على ذلك حيث إنهم كانوا يرجعون إلى مجرد الأوامر في الفعل أو الامتناع من غير توقفٍ فكل أمرٍ كانوا يسمعونه من الكتاب والسنة يحملونه على الوجوب ولذلك لم يرد عنهم أنهم كانوا يسألون النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المراد بهذا الأمر بل كانوا يمتثلون الأمر ويحملونه على الوجوب إلا إذا اقترن به قرينة تصرفه إلى غيره ولم يعرف منهم منكر لذلك فكان إجماعًا وهذا ثبت في وقائع كثيرة:
منها: أنهم استدلوا على وجوب الصلاة عند ذكرها بالأمر المطلق في حديث أنس مرفوعًا"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها".