المرحلة الثانية: وهو طور التبويب والتنظيم، وجمع أحاديث كل محدث والحكم عليه من خلال دراستها، ويتبدى ذلك في الأحكام التي أصدرها علي ابن المديني، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وأضربهم.
غير أنه لا يخالجنا شك أن بعض العلماء المتقدمين قد تكلموا في الرجال جرحًا أو تعديلًا لمعاصرتهم لهم أو اجتماعهم بهم، مثل مالك بن أنس، والسفيانين، وشعبة بن الحجاج، وحماد بن زيد، والأوزاعي، ووكيع بن الجراح، وأن الطبقة التي تلت هؤلاء تكلموا في الرواة الذي أخذوا عنهم، واتصلوا بهم، لكن كيف نفسر كلام كبار علماء الجرح والتعديل ممن عاشوا في المئة الثالثة في رواة لم يحلقوهم من التابعين ومن بعدهم، ولم يؤثر للمتقدمين فيهم جرح أو تعديل، فندعي أنهم اعتمدوا أقوال من سبقهم في الحكم عليهم؟ بيان ذلك في الأمثلة الآتية الموضحة:
قال ابن أبي حاتم في ترجمة أحمد بن إبراهيم الحلبي،"سألت أبي عنه، وعرضت عليه حديثه، فقال: لا أعرفه، وأحاديثه باطلة موضوعة كلها ليس لها أصول، يدل حديثه على أنه كذاب" [1] .
وقال في ترجمة أحمد بن المنذر بن الجارود القزاز:"سألت أبي عنه، فقال: لا أعرفه، وعرضت عليه حديثه، فقال: حديث صحيح" [2] .
وقال أبو عبيد الأجري في مسلمة بن محمد الثقفي البصري:"سألت أبا داود عنه، قلت: قال يحيى (يعني ابن معين) : ليس بشيء؟"
قال: حدثنا عنه مسدد، أحاديثه مستقيمة: قلت: حدث عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: إياكم والزنج، فإنهم خلق مشوه. فقال: من حدث بهذا فاتهمه [3] !.
فهذه الأمثلة الثلاثة واضحة الدلالة على أن أبا حاتم الرازي وأبا داود لم يعرفا هؤلاء الرواة إلا عن طريق تفتيش حديثهم المجموع، وأنهما أصدرا أحكامها استنادًا إلى ذلك.
(1) "والجرح والتعديل": 2/الترجمة 5.
(2) نفسه: 2/ الترجمة 170.
(3) "تهذيب الكمال"27/ 574.