الصفحة 71 من 149

الخلاف المذهبي

موضوع الخلاف في الأحكام الشرعية العملية واسع الأكناف متشعب الأطراف له صلة بعدة علوم ، علوم القرآن ، وعلوم الحديث ، والفقه وأصوله وقواعده ، والتعارض والترجيح ، والمنطق والبحث والمناظرة ، كما أن له ارتباطا بواقع الأمة سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا . لذلك لا تفي هذه الفذلكة بحقه من الدرس والبحث والتحليل ؛ وإنما نكتفي فيها بالإشارات الموجزة التي لا تخل بالمعنى ، وتفسح المجال لفهم مغاليق التحفة ومسارها ونهج صاحبها فيها .

ذلك أن الخلاف الفقهي نشأ بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - واضطرار المسلمين لاستنباط أحكام قضايا من نصوص يوهم بعضها بالتعارض ، أو أحكام حوادث توهم بأن ليس لها في الكتاب والسنة حكم معين . فالخلاف في هذا العهد كان مبنيا على فهم النصوص والحمل عليها حملًا عفويًا تلقائيًا ، ثم أضيف إلى ذلك إجماع الصحابة المستند إلى النصوص .

ثم بعد جيل الصحابة تتابعت أدوار التشريع واحدا تلو الآخر ، فنشأ علم الفقه واتسع الاستنباط بكثرة الحوادث . ذلك أن النصوص متناهية والحوادث متجددة غير متناهية ؛ فعكف طائفة من التابعين على الفتوى كسعيد بن المسيب في المدينة وعلقمة وإبراهيم النخعي بالعراق ، معتمدين في استنباطاتهم على الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وفتاواهم ، ينهج بعضهم نهج القياس ، وينهج آخرون نهج المصلحة إن لم يكن نص .

ثم بزغ عصر الأئمة المجتهدين ، فاتضحت مناهج الاستنباط وتميزت طرق الاستدلال واتسع الخلاف بين الأئمة تبعًا لمناهجهم . فكان أبو حنيفة رضي الله عنه مثلًا يلتزم بالكتاب والسنة وما أجمع عليه الصحابة ، فإن لم يجمعوا تخير من آرائهم لا يخرج عنها ، ولا يأخذ برأي التابعين وتابعي التابعين لأنه منهم وهم رجال مثله ؛ كما كان له منهجه في اعتبار العام قطعيًا لا يخصصه إلا قطعي أو خبر مشهور ، فإن خصص بأحدهما صار ظنيًا ، ومنهجه في الأخذ بالقياس والاستحسان .

ثم كان مالك - رضي الله عنه - فسار على منهج خاص به في الأخذ من الكتاب والسنة وعمل أهل المدينة والإجماع ، وعلى ما اشترطه في رواية الحديث ونقده ، وما تقتضيه ظروف المصلحة وسد الذرائع والاستحسان ، وغير ذلك من دلائل وأمارات .

ثم جاء الشافعي - رضي الله عنه - فجمع مقاصد العلم ومناهجه في الرسالة ، وكان بذلك أول من صنف قواعد الاستنباط ورتبها ورسم معالمها ، وجمع فيها بين منهجي النعمان ومالك ؛ وهذا ليس بغريب منه ، فهو تلميذهما ووارث سرهما وابنهما البر ، ولا اعتبار لما اختلف فيه الأتباع وشجر بينهم بعنف تجاوز حده ، وتوتر عصف بأسباب الود .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت