فهرس الكتاب
ثم تتابع تطور هذا العلم من قبل مدرستي المتكلمين والفروعيين ، وارتقى الحوار والتأليف والتصنيف فيه إلى نشوء علم جديد هو"علم الخلاف"المبني على المنطق والمناظرة ، وهو علم يعرف به كيفية إيراد الحجج الشرعية ، ودفع الشبه وقوادح الأدلة بإيراد البراهين القطعية . فدارت بين الفقهاء الخلافيين مناظرات في أعيان المسائل الفقهية المنسوبة إلى أئمتهم ، مما شحذ العقول ووسع المدارك وفتح آفاقًا للتشريع والتنظير ، وفهم دقائق المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فهمًا لم يتيسر لغير الفقه الإسلامي على مدار تاريخ الإنسانية .
ولو لم تعترض طريق الأمة ، محنة انهيار نظم الحكم والمجتمع ، وتوقف حركة العلم والفكر والاجتهاد ، لكان للفقه الإسلامي شأن في حياة البشرية المعاصرة على اختلاف أديانها واتجاهاتها ومللها ونحلها . ومع ذلك ، بأدنى مراجعة لتشريعات الغرب الحالية يتضح أن معظمها - قوانين ومساطر إجرائية - ، متأثر بالفقه الإسلامي أصولًا وفروعًا قواعد ومناهج .
ونحن إذا ما استعرضنا مجالات الخلاف في الأحكام الشرعية العملية المستنبطة وأسبابه ، على مدار مراحل التشريع المتعاقبة ، ألفينا أنها لا تكاد تخرج عن صنفين من الأحكام:
صنف راجع إلى نصوص هي الأدلة النقلية كتابًا وسنةً وإجماعًا ، أو حملًا عليها بالقياس .
صنف راجع إلى أمارات هي ما سوى الكتاب والسنة والإجماع والقياس ، مثل الاستحسان والاستصحاب وسد الذرائع وفتحها والمصلحة المرسلة والعرف، والعدول عن القياس الجلي الضعيف إلى القياس الخفي القوي ، وما سوى ذلك من أمارات تكاد تصل الخمسين .
أما الصنف الأول فمن أهم أسباب الخلاف فيه:
قطعية دلالة النصوص وظنيتها . فالنص قطعي الدلالة هو ما دل على معنى متعين فهمه منه ، ولا يحتمل تأويلًا ، ولا مجال لفهم غيره منه . والنص ظني الدلالة هو ما يكون محتملًا لأكثر من معنى واحد .
النصوص الموهمة بالتعارض مثل أن يحكم الرسول - صلى الله عليه وسلم - حكمًا في حالة ، وحكمًا آخر بالنسبة للمسألة ذاتها في حالة أخرى . فيتوهم المجتهد التعارض ، ولا تعارض لاختلاف الحكمين باختلاف الحالتين .
منهج الفقيه في قبول أخبار الآحاد وسبرها ونقدها . فابن حنبل مثلًا يستغني بخبر الآحاد ولو ضعيفًا عن القياس والرأي ، ومالك يشترط موافقة الصحيح لعمل أهل المدينة ، والظاهرية يعتبرون الآحاد قطعية توجب العلم اليقين في العقيدة والعمل .
قد يبين الشرع طريقتين أو طرقًا لبعض التصرفات الشرعية ، والأخذ بأيّ منها جائز . فيتوهم بعض المجتهدين تعارضًا بين هذه الطرق .