الصفحة 3 من 25

الحمد لله الذى أسكن عباده هذه الدار, و جعلها لهم منزلة سفر من الأسفار, و جعل الدار الآخرة هى دار القرار, فسبحان من يخلق ما يشاء و يختار, و يرفق بعباده الأبرار في جميع الأقطار, و سبقت رحمته بعباده غضبه و هو الرحيم الغفار, أحمده على نعمه الغزار, و شكره و فضله على من شكر مدرار, و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحد القهار و أن محمدا عبده و رسوله النبي المختار, و الرسول المبعوث بالتيسير و الإنذار صلى الله عليه و على اله و صحبه صلاة تتجدد بركاتها بالعشى و الإبكار.

أما بعد:

فمن تأمل أحوال السابقين من أمة سيد المرسلين و جدهم في غاية الطاعة لله عز و جل, و الكف عن معصيته, و هم مع ذلك في غاية الخوف و الإشفاق و الحذر من الله عز و جل و عظيم عقابه و أليم عذابه.

كان ثابت البنانى يستوحش لفقد التعبد بعد موته فيقول: يا رب إن أذنت لأحد أن يصلى في قبره فأذن لى.

ملأوا الحياة عبادة و طاعة لله عز و جل و رغبة في طاعته و طمعا في رضاه, و كثر مع ذلك خوفهم و بكاؤهم حتى أشفقوا من فقد البكاء و الخشية بعد الموت و تمنوا لو وجدوا من يبكى عنهم بعد وفاتهم.

كان يزيد الرقاشى يقول في بكائه: يا يزيد من يبكى بعدك لك, و من يترضى ربك عنك.

و دخلوا على الجنيد عند الموت و هو يصلى فقالوا له: الآن فقال: الآن تطوى صحيفتى.

قيل لأبى بكر النهشلى و هو في الموت: اشرب قليلا من الماء, قال: حتى تغرب الشمس.

قرىء على أحمد بن حنبل في مرضه أن طاووسا كان يكره الأنين فما أن حتى مات.

يا ديار الأحباب أين السكان, يا منازل العارفين أين القطان, يا أطلال الوجد أين أين البنيان.

لا تعرضن بذكرنا في ذكرهم

ليس السليم إذا مشى كالمقعد

حسبك أن قوما موتى تحيى بذكرهم النفوس, و إن قوما أحياء تقسو برؤيتهم القلوب, سلام على تلك القبور, و رضوان الله على حشو تلك اللحود.

أماكن تعبدهم باكية, و مواطن خلواتهم لفقدهم شاكية, زال التعب و بقى الأجر, ذهب ليل النصب و طلع الفجر

إن كنت تنوح يا حمام البان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت