الصفحة 2 من 32

ونقل الخطيب البغدادي في الجامع عن بعضهم قال:"لا ينال هذا العلم إلا من عطّل دكانه، وخرب بستانه، وهجر إخوانه، ومات أقرب أهله فلم يشهد جنازته"، وهذا كله وإن كانت فيه مبالغة فالمقصود به أنه لابد فيه من جمع القلب واجتماع الفكر.

وقيل أن بعض المشايخ أمر طالبا له بنحو ما رواه الخطيب فكان آخر ما أمره به أن قال:"اصبغ ثوبك كيلا يشغلك فكر غسله". ومما يقال عن الشافعي أنه قال:"لو كُلِّفتُ شراء بصلة لما فهمت مسألة".

الرابع:-

أن يقنع من القوت بما تيسر وإن كان يسيرا، ومن اللباس بما يستر مثله وإن كان خلقا، فالبصبر على ضيق العيش ينال سعة العلم ويجمع شمل القلب عن مفترقات الآمال فتتفجر فيه ينابيع الحِكَم.

قال الشافعي رحمه الله:"لا يطلب أحد هذا العلم بالملك وعز النفس فيفلح، ولكن من طلبه بذل النفس وضيق العيش وخدمة العلماء أفلح"

وقال أيضا:"لا يصلح طلب العلم إلا لمفلس، قيل ولا الغني المكفي؟ قال: ولا الغني المكفي".

وقال مالك رحمه الله:"لا يبلغ أحد من هذا العلم ما يريد حتى يضر به الفقر ويؤثره على كل شيء"

وقال أبو حنيفة رحمه الله:"يُستعان على الفقه بجمع الهم، ويستعان على حذفرالعلائق بأخذ اليسير عند الحاجة ولا يزد"

قال الخطيب:"ويستحب للطالب أن يكون عزبًا ما أمكنه لئلا يقطعه الاشتغال بحقوق الزوجية وطلب المعيشة عن إكمال الطلب"، وقال سفيان الثوري:"من تزوج فقد ركب البحر، فإن ولد له ولد فقد كسر به"

وبالجملة فترك التزويج لغير المحتاج إليه أو غير القادر عليه أولى لا سيما للطالب الذي رأس ماله جمع الخاطر وإجمام القلب واشتغال الفكر.

الخامس:-

أن يقسم - طالب العلم - ليله ونهاره، ويغتنم ما بقي من عمره فإن بقية العمر لا قيمة له. وأجود الأوقات للحفظ الأسحار، وللبحث الأبكار، وللكتابة وسط النهار، وللمطالعة والمذاكرة الليل.

وقال الخطيب رحمه الله:"أجود أوقات الحفظ الأسحار ثم وسط النهار ثم الغداة"، قال:"وحفظ الليل أنفع من حفظ النهار، ووقت الجوع أنفع من وقت الشبع".

قال:"وأجود أماكن الحفظ الغرف وكل موضع بعيد عن الملهيات"

قال:"وليس بمحمود الحفظ بحضرة النبات والخضرة والأنهار وقوارع الطرق وضجيج الأصوات؛ لأنها تمنع من خلو القلب غالبًا"

جاء في حاشية الكتاب ص 72 عن الشيخ فخر الدين أنه قال:"والله إنني أتأسف في الفوات عن الاشتغال بالعلم في وقت الأكل، فإن الوقت والزمان عزيز"

السادس:-

من أعظم الأسباب المعينة على الاشتغال والفهم وعدم الملال أكل القدر اليسير من الحلال. قال الشافعي رحمه الله:"ما شبعت منذ ست عشرة سنة"، وسبب ذلك أن كثرة الأكل جالبة لكثرة الشرب، وكثرته جالبة للنوم والبلادة وقصور الذهن وفتور الحواس وكسل الجسم، هذا مع ما فيه من الكراهية الشرعية والتعرض لخطر الأسقام البدنية.

وكما قيل: فإن الداء أكثر ما تراه يكون من الطعام أو الشراب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت