تذكرة السامع والمتكلم (1) آداب طالب العلم في نفسه
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخوة الأفاضل الكرام ... السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... .... أما بعد:
فهذه مقتطفات جنية رأيت أن أنفع بها إخواني بعد أن يسر الله لي أن قرأتها أكثر من مرة خلال مطالعاتي لكتاب قيّم للإمام بدر الدين بن جماعة الكناني - رحمه الله - وهو الموسوم ب تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم، والذي أنصح إخواني بمطالعته والانتفاع بما فيه من التوجيهات والآداب المهذبة للنفس، والمقوّمة للأخلاق والسلوك في مجال طلب العلم.
آداب المتعلم في نفسه، وفيه عشرة أنواع
الأول:-
أن يطهر - أي طالب العلم - قلبه من كل غش ودنس وغلّ وحسد، وسوء عقيدة وخلق؛ ليصلُح بذلك لقبول العلم وحفظه، والإطلاع على دقائق معانيه وحقائق غوامضه، فإن العلم - كما قال بعضهم - صلاة السر وعبادة القلب وقربة الباطن، وكما لا تصلح الصلاة التي هي عبادة الجوارح الظاهرة إلا بطهارة الظاهر من الحدث والخبث فكذلك لا يصح العلم الذي هو عبادة القلب إلا بطهارته عن خبث الصفات وحدث مساوئ الأخلاق ورديئها.
وإذا طيب القلب للعلم ظهرت بركته ونما كالأرض إذا طيبت للزرع نما زرعها وزكا، وفي الحديث:"إن في الجسد مضغة إلا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد كله ألا وهي القلب"، وقال سهل:"حرام على قلب أن يدخله النور وفيه شيء مما يكره الله عزوجل"
الثاني:-
أن يحسن النية في طلب العلم بأن يقصد به وجه الله تعالى والعمل به وإحياء الشريعة، وتنوير قلبه وتحلية باطنه والقرب من الله تعالى يوم القيامة والتعرض لما أعد لأهله من رضوانه وعظيم فضله.
قال سفيان الثوري:"ما عالجت شيئًا أشد عليّ من نيتي".
ولا يقصد به - أي بالعلم - الأغراض الدنيوية من تحصيل الرياسة والجاه والمال، ومباهاة الأقران، وتعظيم الناس له، وتصديره في المجالس ونحوذلك، فيستبدل الأدنى بالذي هو خير.
قال أبو يوسف - رحمه الله:"يا قوم أريدوا بعلمكم الله تعالى فإني لم أجلس مجلسا قط أنوي فيه أن أتواضع إلا لم أقم حتى أعلوهم، ولم أجلس مجلسًا قط أنوي فيه أن أعلوهم إلا لم أقم حتى أفتضح".
ولالعم عبادة من العبادات وقربة من القرب فإن خلُصَت فيه النية قُبِلَ وزكى ونمت بركته، وإن قصد به غير وجه الله تعالى حبط وضاع، وخسرت صفقته.
الثالث:-
أن يبادر شبابه وأوقات عمره إلى التحصيل ولا يغتر بخدع التسويف والتأميل؛ فإن كل ساعة تمضي من عمره لا بدَلَ لها ولا عوض عنها، ويقطع ما يقدر عليه من العلائق الشاغلة والعوائق المانعة عن تمام الطلب وبذل الاجتهاد وقوة الجد في التحصيل فإنها كقواطع الطريق، ولذلك استحب السلف التغرب عن الأهل والبعد عن الوطن؛ لأن الفكرة إذا توزعت قصرت عن درك الحقائق وغموض الدقائق وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، وكذلك يقال:"العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلّك".