فهرس الكتاب
حتى إن النصارى لما رأوهم -حين قدموا الشام- قالوا: ما كان الذين صحبوا المسيح بأفضل من هؤلاء.
وهذه آثار علمهم وعملهم في الأرض وآثار غيرهم، يعرف العقلاء فرق ما بين الأمرين.
وهو ? -مع ظهور أمره وطاعة الخلق له وتقديهم له على الأنفس والأموال- مات - صلى الله عليه وسلم - ولم يخلف درهما ولا دينارا ولا شاة ولا بعيرا له إلا بغلته وسلاحه، ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وسقا [1] من شعير، ابتاعها لأهلهز
وكان بيده عقار ينفق منه على أهله، والباقي يصرفه في مصالح المسلمين، فحكم بأنه لا يورث، ولا يأخذ ورثته شيئا من ذلك.
وهو، في كل وقت، يظهر على يديه من عجائب الآيات وفنون الكرامات ما يطول وصفه، ويخبرهم بخر ما كان وما يكون، ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويشرع الشريعة شيئا بعد شيء، حتى أكمل الله دينه الذي بعث به، وجاءت شريعته أكمل شريعة، لم يبق معروف تعرف العقول أنه معروف إلا أمر به، ولا منكر تعرف العقول أنه منكر إلا نهى عنه، لم يأمر بشيء فقيل: ليته لم يأمر به، ولا نهى عن شيء فقيل: ليته لم ينه عنه، وأحل الطيبات، لم يحرم شيئا مها كما حرم في شرع غيره، وحرم الخبائث لم يحل منها شيئا كما استحله غيره. وجمع محاسن ما عليه الأمم، فلا يذكر في التوراة، والإنجيل، والزبور، نوع من الخبر عن الله وعن ملائكته وعن اليوم الآخر، إلا وقد جاء به على أكمل وجه، وأخبر بأشياء ليست في هذه الكتب [2] .
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وأصحابه الطيبين الطاهرين.#
2 -من آيات النبي ? [3]
الحمد لله الذي أيد رسوله محمدا ? بالآيات البينات واختصه بالفضائل الكثيرة والكرامات وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الألوهية والربوبية والأسماء والصفات وأشهد أن محمد عبده وسوله المصطفى على جميع المخلوقات المبعوث رحمة للعالمين وقدوة للسالكين إلى رب الأرض والسموات صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان في الأقوال والأعمال والاعتقادات وسلم
تسليما.
أما بعد أيها المسلمون اتقوا الله تعالى واعرفوا ما أيد الله به نبيكم ? من الآيات والمعجزات فإن الله أعطاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر وأبلغ ما أوتيه ? هذا القرآن العظيم ففيه عبرة لمن اعتبر [4] فيه خبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وفصل ما بينكم [5] اشتمل على ذكر أخبار الأولين والآخرين وعلى الفصاحة والبلاغة اللتين عجزت عنهما مدارك الجن والإنس السابقين مهم واللاحقين:
{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَاتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [6] أي معاونا ألا وإن من أعظم آياته سيرته في عبادته ومعاملاته وأخلافه كان ? أتقى الناس لله تعالى وأجود الناس وأشجعهم وأصبرهم وأحسنهم مجالسة وألطفهم مكاملة وألينهم جانبا وأبلغهم في جميع صفات
الكمال، ألا وغن من آيته ? انشقاق هذا القمر فرقتين كل فرقة منهما على جبل
(1) صاعا (في نسخة) .
(2) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى 4/ 80 - 83.
(3) من خطب السيخ محمد الصالح العثيمين صـ 43.
(4) كما في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة.
(5) كما في الحديث الذي رواه الترمذي والدارمي عن علي وفي سنده الحارث الأعور وهو ضعيف.
(6) سورة الإسراء آية 88.