أما في الأندلس فقد بلغت الترجمة أوجها سواء أكان ذلك في مجال الإسلام أم غيره، وقد اهتم أكثر العلماء بها اهتمامًا بالغًا وتفرغوا لها جماعات وأفرادًا، حتى اشتهر بعضهم في هذا الميدان الدعوي. فهذا أبو محمد عبدالله بن عبدالله الميروقي كان قسيسًا ومن أحبار النصارى في الأندلس في القرن الثامن الهجري، أسلم وحسن إسلامه وتعلم اللغة العربية في سنة واحدة وأتقنها، ثم أخذ يبذل جهده في الترجمة الدينية بين المسلمين والنصارى حتى لقب بالترجمان، وعينه السلطان رئيسًا لشؤون الترجمة وقد كشف في كتابه (تحفة الأديب في الرد على أهل الصليب) هوية كُتّاب الأناجيل الأربعة (متى، ومرقس، ولوقا، ويوحنا) وأكد أنهم ليسوا من حواريي المسيح عليه السلام، بأدلة علمية دقيقة، ثم ناقش قضايا التعميد (التغطيس) والتثليث والأقانيم، والخطيئة الأولى والعشاء الرباني وصك الغفران وقانون الإيمان، وفنَّدها كلها بنصوص الأناجيل وبأدلة العقل الصريح، ثم أثبت بشرية المسيح عليه السلام ونفى ألوهيته المزعومة وعرض التناقضات في نصوص الأناجيل المحّرفة، ثم تعرض لما يعيبه النصارى على المسلمين كزواج العلماء والصالحين والختان والنعيم الحسي بالجنة ثم ختم كتابه بإثبات نبوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبيان فضله ومنزلته بنصوص من التوراة والإنجيل. (1)
(1) انظر مجلة (بريد الإسلام) العدد الثاني لعام 1413هـ ، ص 35 - 43 وانظر كذلك مقدمة كتاب »تحفة الأديب في الرد على أهل الصليب« بتحقيق عمر وفيق .