ولا شك أن التحلّي بكل هذه الصفات معًا أمر ليس باليسير في كل وقت، فإذا كانت تواجهنا مثل هذه الصعوبات في ترجمة كتاب كتبه أحد من البشر، فإن المسألة تصعب أكثر وأكثر عندما تكون الترجمة لكتاب سماوي نزل بلغة عربية فصيحة وأسلوب عالٍ مملوء بفنون الأدب وضروب البيان مثل القرآن الكريم.
ولكن رغم كل هذه الصعوبات والجدل الطويل حول جواز ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأخرى فقد أقدم الناس على نقله إليها منذ ظهور الإسلام على شكل ترجمات وتفاسير، ويضاف إلى ذلك أن النص القرآني كما يضم آيات يسهل على الناس فهمها فإنه يضم أيضًا آيات عديدة لا يفهمها إلاّ الراسخون في العلم ممن يعرفون دقائق اللغة وأسباب النزول وغير ذلك مما يجب عليهم إيضاحه للناس، ومن هنا جاءت أعمال التفسير والترجمة، التي هي في الوقت نفسه نتيجة طبيعية استوجبها الأمر لتبليغ رسالة الله التي أرسل بها نبيه محمد صلى الله عليه وسلم إلى العالمين كافة. وأخذت أعمال الترجمة والتفسير هذه في الاتساع والاستمرار ابتداءً من عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم - الذي هو بالطبع - المفسر الأول للقرآن الكريم، حتى أصبح من الممكن وصول الأوامر الإلهية إلى مجتمعات بشرية تتحدث بلغات متباينة، وتيسرت لهم سبل الهداية، والخروج من الظلمات إلى النور. وقسم كبير من هذه الترجمات والتفاسير غير العربية لا يزال محفوظًا إلى اليوم على شكل مخطوطات في متاحف العالم ومكتباته العامة والخاصة، سواءً أكان ذلك من قبل ظهور المطبعة أم بعد ظهورها.