فما أكثر ما يحتجون بمخالفته ما كان عليه آباؤهم، أو أهذا الذي أنزل الذكر عليه من بينهم بل هو كذاب أشر، أو أجئتنا بآية لتسحرنا بها، أو إنا تطيرنا بكم أو لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا، وكل هذا وغيره لتجنب النظر في حقيقة الدعوة ومناقشة مضمونها, بينما نجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بما أوحى الله به إليه من كتاب وسنة يعرض عليهم موضوعها عرضا مباشرا بينًا بألف عبارة وعبارة وكل برهان ودليل، يذكّرهم بحقيقة خلقهم وحق خالقهم والإعداد لمصيرهم، وما تحمله لهم الدعوة من رشد واستقامة وإصلاح لكل أمورهم { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة } (البينة:5) وكل رسول يجتهد في البسط ويطيل في العرض، فلا يلبث الجهلة المعاندون والكهنة المضلون أن يلجؤوا لأساليب التهديد والوعيد والبطش والتنكيل، وأخيرا الكيد والتآمر، ومن ذلك خطتهم التي أوصاهم بها كهنة اليهود كما حكاها لنا القرآن { آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون } (آل عمران: 72) .
وهكذا كان كيدهم للدعوة السماوية السابقة على الإسلام، أعملوا في أهلها كل اضطهاد وتعذيب وقتل وتشريد حتى إذا أعياهم كل ذلك في صد الناس عن دينهم لجؤوا إلى آخر سهم في جعبتهم وهو خطة كهنة اليهود السابقة، فطوّروها وطبقوها أخبث تطبيق فقد جعلوها:"آمنوا بهذا الدين إيمانا صوريا كاذبا حتى تظهروا به على أنكم أهله ودعاته، واعملوا على أن تغلبوا أهله عليه وتكفروا بكل عقيدته وتعاليمه حتى تصبح وثنيتكم هي الدين وشرككم هو التوحيد".
وهذا هو ما صنعه بولس في دعوة المسيح ومن ورائه فلاسفة مدرسة الإسكندرية وكنيسة الإسكندرية وكل ما للرومان من سطوة وجبروت، اندسوا بقضهم وقضيضهم في دعوة المسيحية حتى غلبوا أهلها عليها، وجعلوها عبادة المسيح والتثليث وسلطة الكنيسة الإلهية الطاغية على نفوس البشر.