فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 2

تزكية الأنفس

الحمد لله القائل: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد الذي امتن الله به على المؤمنين يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، ورضي الله عن صحابته الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، وعن آل بيته الذين طهرهم الله تطهيرا، أما بعد:

ذكر الله أربع آيات في القرآن وفي صحف إبراهيم وموسى: (قد أفلح من تزكى*وذكر اسم ربه فصلى*بل تؤثرون الحياة الدنيا*والاخرة خير وأبقى*إن هذا) أي المذكور من الآيات الأربع (لفي الصحف الأولى *صحف إبراهيم وموسى) .

وأقسم الله بالشمس والقمر والنهار والليل والسماء والأرض (ونفس وما سواها*فألهمها فجورها وتقواها*قد أفلح من زكاها*وقد خاب من دساها) أي قد فاز من زكى نفسه وقد خسر من دسس نفسه أي أخفاها وقذرها بالمعاصي.

إذا ذكر الله الزكاة في القرآن من غير لفظ الإيتاء فالمراد بها زكاة النفس مثل الآيتين السابقتين ومثل قوله تعالى: (قد أفلح المؤمنون*الذين هم في صلاتهم خاشعون*والذين هم عن اللغو معرضون*والذين هم للزكاة فاعلون) أي مداومون كما في تفسير البيضاوي وقد أشار ابن عباس رضي الله عنهما أن المرا د بالزكاة في هذه الآية زكاة النفس ورجحه ابن كثير في تفسيره لأن هذه السورة مكية ولم تفرض مقادير الزكوات إلا في المدينة، ومما يدل على ذلك أن الله وصف بتلك الصفات المؤمنين سواء كانوا أغنياء أو فقراء.

وقال الله عن عبده عيسى عليه الصلاة والسلام): وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا) رجح إمام المفسرين الطبري أن المراد بالزكاة هنا زكاة النفس قال: لأن عيسى لم يكن معروفا بادخار المال حتى تجب عليه زكاة المال.

وقال الله عن إسماعيل عليه الصلاة والسلام: (وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة) يأمر جميع أهله بزكاة النفوس سواء كانوا أغنياء أو فقراء، وليعلم أن زكاة المال المقصود بها زكاة النفس كما قال الله: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) حتى صدقات التطوع المقصود بها زكاة النفس: (الذي يؤتي ماله يتزكى) .

جميع العبادات المقصود بها زكاة النفوس كما قال الله تعالى: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون) ، وما حرم الله المحرمات إلا لتزكية النفوس كما قال الله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم) وقال: (وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) .

الله يريد أن يطهرنا ظاهرا وباطنا، ظاهرا كالوضوء والغسل وخصال الفطرة وطهارة البدن والمكان والثياب، وباطنا وهي زكاة الأنفس قال الله تعالى: (ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم) .

زكاة النفوس مرادفة لطهارة القلوب والمقصود بها تطهير القلب من الشرك والمعاصي والأخلاق الرذيلة (يوم لا ينفع مال ولا بنون *إلا من أتى الله بقلب سليم) ، وتزكية النفوس وإصلاح القلوب من أهم المهمات وأعظم الواجبات ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) ، وفي الصحيحين من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) .

من أعظم مقاصد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم تزكية النفوس: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة) .

النفس مكمن الشر، فهي أمارة بالسوء، كسلة عن الخير، نشطة إلى المعاصي، تحب البطالة، نفوسنا كلنا هكذا (فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى) ، قال الله سبحانه: (وأحضرت الأنفس الشح) وقال: (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) ، وقد حذرنا الله من نفوسنا فقال: (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه) وقال: (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت