الصفحة 168 من 289

الغالب ويدعو به، ولا حديثا إلا وعمل به، ولا صلاة إلا صلاها، كان يصلي بالناس في النصف مئة ركعة وهو مسن، ولا يترك قيام الليل من وقت شبوبيته، وإذا رافق ناسا في السفر ناموا وحرسهم يصلي. قلت: كان قدوة صالحا عابدا، قانتا لله ربانيا خاشعا، مخلصا عديم النظير، كبير القدر، كثير الأوراد والذكر، والمروءة والفتوة، والصفات الحميدة، قل أن ترى العيون مثله، قيل: كان ربما تهجد فإن نعس ضرب على رجليه بقضيب حتى يطير النعاس، وكان يكثر الصيام، ولا يكاد يسمع بجنازة إلا شهدها، ولا مريض إلا عاده، ولا جهاد إلا خرج فيه، ويتلو كل ليلة سبعا، مرتلا في الصلاة، وفي النهار سبعا بين الصلاتين، وإذا صلى الفجر تلا آيات الحرس ويس والواقعة وتبارك، ثم يقرىء ويلقن إلى ارتفاع النهار، ثم يصلي الضحى فيطيل، ويصلي طويلا بين العشائين، ويصلي صلاة التسبيح كل ليلة جمعة، ويصلي يوم الجمعة ركعتين بمئة قل هو الله أحد فقيل: كانت نوافله في كل يوم وليلة: اثنتين وسبعين ركعة، وله أذكار طويلة، ويقرأ بعد العشاء آيات الحرس، وله أوراد عند النوم واليقظة و تسابيح، ولا يترك غسل الجمعة، وينسخ الخرقي من حفظه، وله معرفة بالفقه والعربية والفرائض، وكان قاضيًا لحوائج الناس، ومن سافر من الجماعة يتفقد أهاليهم، وكان الناس يأتونه في القضايا فيصلح بينهم، وكان ذا هيبة ووقع في النفوس، قال الشيخ الموفق: ربانا أخي وعلمنا وحرص علينا، كان للجماعة كالوالد، يحرص عليهم، ويقوم بمصالحهم، وهو الذي هاجر بنا، وهو سفرنا إلى بغداد، وهو الذي كان يقوم في بناء الدير، وحين رجعنا زوجنا، وبنى لنا دور خارج الدير، وكان قلما يتخلف عن غزاة، قال الشيخ الضياء: لما جرى على الحافظ عبد الغني محنته، جاء أبا عمر الخبر فخر مغشيا عليه، فلم يفق إلا بعد ساعة، وكان كثيرا ما يتصدق ببعض ثيابه، وتكون جبته في الشتاء بلا قميص، وربما تصدق بسراويله، وكانت عمامته قطعة بطانة، فإذا احتاج أحد إلى خرقة قطع له منها، يلبس الخشن، وينام على الحصير، وربما تصدق بالشيء وأهله محتاجون إليه، وكان ثوبه إلى نصف ساقه، وكمه إلى رسغه، سمعت أمي تقول: مكثنا زمانا لا يأكل أهل الدير إلا من بيت أخي أبي عمر، وكان يقول

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت