الصفحة 167 من 289

أعرف أحدا من أهل السنة رآه إلا أحبه ومدحه كثيرا، سمعت محمود بن سلامة الحراني بأصبهان قال: كان الحافظ يصطف الناس في السوق ينظرون إليه، ولو أقام بأصبهان مدة، وأراد أن يملكها لملكها، قال الضياء: ولما وصل إلى مصر كنا بها، فكان إذا خرج للجمعة لا نقدر نمشي معه من كثرة الخلق، يتبركون به ويجتمعون حوله، وكنا أحداثًا نكتب الحديث حوله، فضحكنا من شيء وطال الضحك فتبسم ولم يحرد علينا، وكان سخيا جوادا لا يدخر دينارا ولا درهما، مهما حصل أخرجه، لقد سمعت عنه أنه كان يخرج في الليل بقفاف الدقيق إلى بيوت متنكرا في الظلمة فيعطيهم ولا يعرف، وكان يفتح عليه بالثياب فيعطي الناس وثوبه مرقع، وكان يصلي كل يوم وليلة ثلاث مئة ركعة، ويقوم الليل، ويحمل ما أمكنه إلى بيوت الأرامل واليتامى سرا، وضعف بصره من كثرة البكاء والمطالعة، وكان أوحد زمانه في علم الحديث.

وفاته سمعت أبا موسى يقول مرض أبي في ربيع الأول مرضا شديدا منعه من الكلام والقيام، واشتد ستة عشر يوما، وكنت أسأله كثيرا: ما يشتهي؟ فيقول: أشتهي الجنة، أشتهي رحمة الله، لا يزيد على ذلك، فجئته بماء حار فمد يده فوضأته وقت الفجر فقال: يا عبد الله قم صل بنا وخفف، فصليت بالجماعة وصلى جالسا، ثم جلست عند رأسه فقال: إقرأ يس، فقرأتها وجعل يدعوا وأنا أؤمن، فقلت: هنا دواء تشربه؟ قال: يا بني! ما بقي إلا الموت، فقلت: ما تشتهي شيئا؟ قال: أشتهي النظر إلى وجه الله سبحانه، فقلت: ما أنت عني راض؟ قال: بلى والله، فقلت: ما توصي بشيء؟ قال: ما لي على أحد شيء، ولا لأحد علي شيء، قلت: توصيني؟ قال: أوصيك بتقوى الله، والمحافظة على طاعته، فجاء جماعة يعودونه، فسلموا فرد عليهم وجعلوا يتحدثون فقال: ما هذا! اذكروا الله، قولوا لا إله إلا الله، فلما قاموا جعل يذكر الله بشفتيه، ويشير بعينيه، فقمت لأناول رجلا كتابا من جانب المسجد، فرجعت وقد خرجت روحه رحمه الله 444\ 21

-الشيخ أبو عمر، الإمام العالم الفقيه المقرىء المحدث البركة، شيخ الإسلام أبو عمر، محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر المقدسي، كان لا يسمع دعاء إلا ويحفظه في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت