فهرس الكتاب
ما يفسد الصوم, فلا بد وأن تكون قد وقعت على وفق القياس الصحيح ، ولا يمكن أبدا أن تكون متعارضة معه ، وبيان ذلك:- أن النص أفاد أن من جملة مفسدات الصوم إنزال المني دفقا بلذة واختيار ، وهو مما يخرج لا مما يدخل ، فانظر كيف انكسر قولهم:- إن التفطير لا يكون إلا مما يدخل لا مما يخرج فخروج الدم بسبب الحجامة مما يوجب الضعف والوهن في الجسم ، فقياسها على المني أوفق ، لأنهما يجتمعان في أن خروج كل من الجسد يوجب وهنه وضعفه ، فالمحجوم إذا احتجم فلا بد وأن يحس بالضعف والوهن ، ولو قليلا ، والعبرة بالأغلب ، لا بآحاد الناس ، فالتفطير بالحجامة جار على سنن القياس الصحيح ، وهو أن الصائم ممنوع من تعمد إخراج ما يوجب خروجه وهن الجسد وضعفه ، والاحتجام منها ، ولذلك فالقول الصحيح أن التبرع بالدم لا يجوز حال الصوم قياسا على الحجامة ، بل من باب أولى ، لأن الضعف الذي يوجبه التبرع بالدم أكبر من الذي توجبه الحجامة ، وكذلك الفصد ، فإنه لا يجوز في نهار رمضان ، لأن خروج الدم بهذه الصورة يضعف الجسد ويوهنه ، وقد لا يستطيع الصائم معه من احتمال الصوم ، أو يحتمله مع المشقة الكبيرة والكلفة العظيمة ، والشريعة إنما هي رحمة للعالمين ، والله تعالى هو الرحمن الرحيم والرؤوف الكريم فمن مقتضيات رحمته بعباده أن حرم عليهم الاحتجام في نهار الصوم رفقا بهم وإحسانا إليهم ومحافظة على قواهم ورعاية لهم مما يوجب ضعفهم ، فأين مخالفة القياس ؟ فإن قلت:- قد عرفنا عدم مخالفته في المحجوم ، لكن ما بال الحاجم حكم عليه بفساد الصوم ؟ فأقول:- إن الحجامة في العصر الماضي ، بل وفي عصرنا هذا - ولكنها تطورت قليلا - كان الحاجم يباشر مص القارورة بفمه ، فمع هذا المص قد يتطاير إلى باطن فمه شيء من الدم ، لكن هذا الأمر مما يخفى ، وقد جرت عادة الشرع المطردة أن الحكمة إن كانت خفية ، فإنه يعلق الحكم على الوصف الظاهر فلما كان تطاير هذه الجزيئات لفم الحاجم