الصفحة 865 من 946

مما يخفى ، وقد لا يحس به ، علقت الشريعة الحكم بوصف ظاهر يعرفه الجميع وهو مباشرة مص القارورة ، فمن مص القارورة فقد فسد صومه تنزيلا له منزلة من تعمد أن يدخل لجوفه شيئا يفطره ، وذلك النوم فإنه ليس بحدث في ذاته ، لكنه مظنة للحدث والنائم لا يشعر ، فنزلت المظنة منزلة الأمر الواقع ، فعلقت الشريعة النقض على مسمى النوم المذهب للشعور ، وكالأمر بإراقة الخليطين بعد ثلاث ، فإن الخليطين لا يلزم أن يتغيرا ولا بد بعد ثلاث ، بل منها ما يتغير قبل ذلك ، ومنها ما يتأخر تغيره إلى ما بعد ذلك ، ولكن هذا مما يخفى ، فعلقت الشريعة الحكم على الوصف الظاهر الذي يشترك الجميع في فهمه والعلم به وهو ثلاث ليال ، لأن الحكم إذا صارت خفية علق الحكم بالوصف المنضبط الظاهر ، وكمس المرأة على قول من قال به ، فإن ذات المس ليس هو الناقض ، وإنما الناقض هو ما يخرج بعد المس ، ولكن لما كان هذا الخارج قد لا يعلم ولا يحس به ، لأنه مما قد يخفى ، علقت الشريعة الحكم بالوصف الظاهر المنضبط وهو المس بشهوة ، لأن هذا الأمر يعرفه الجميع ، وكذلك فإن الحكمة في مشروعية قصر الصلاة في السفر إنما هي وجود المشقة ، ولكن هل كل مسافر يشق عليه السفر ، وهل المشقة فيكل المسافرين واحدة ؟ هذا مما يختلف فيه الناس كثيرا حسب الوسائل ، فلما كان تعليق الحكم بالمشقة فيه حرج وكلفة لأنه مما يقع فيه الاختلاف والتباين ، لعقت الشريعة الحكم على الوصف الظاهر المنضبط وهو مسمى السفر ، فمن دخل في مسمى السفر حل له القصر ، وإن لم يكن ثمة مشقة ، وكذلك المحرم في السفر ، فإنه ليس كل امرأة تحتاج المحرم ، لكن من الذي يميز بين من تحتاج ومن لا تحتاج ؟ هذا مما يخفى ، وتدخل فيه حظوظ النفوس وشهواتها ، فعلقت الشريعة الحكم بالسفر ، فلا يحل لامرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم ، والأمثلة كثيرة ، فالقياس الذي جرى عليه الشرع ، هو أن الحكمة إن صارت خفية أنيط الحكم بالوصف الظاهر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت